المرجع السيد محمد الحسيني الشيرازي... مدرسة الأخلاق
يُعدّ المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي «قدّس سره» من أبرز أعلام القرن العشرين، ليس بما امتلكه من موسوعية علمية وفقهية فحسب، بل لما أولاه من اهتمام بالغ في بناء الإنسان أخلاقياً وثقافياً، إيماناً منه بأن نهضة الأمم تبدأ من تهذيب النفوس، وإحياء الضمائر، واستقامة السلوك.
رؤية السيد الشيرازي للأخلاق
لم يكن السيد الشيرازي يرى في الأخلاق مجرد جانب تكميلي أو ترفاً فكرياً، بل كان يعتبرها جوهر الإسلام وروحه النابضة، ومفتاح سعادة الإنسان في دنياه وآخرته. فقد كان يردد بأن الإيمان لا يكتمل إلا بالأخلاق، وأن الدعوة إلى الله لا تؤتي ثمارها إلا إذا كان الداعية متحلّياً بها، كما كان رسول الله الذي زكّاه الله بقوله: ”وإنك لعلى خُلقٍ عظيم“.
كان يرى أن الأخلاق يجب أن تنبع من أعماق النفس، من تربية القلب والعقل معاً، لا أن تكون التزاماً شكلياً أو مظهرياً. ولذا دعا إلى ترسيخ المبادئ الأخلاقية منذ نعومة الأظفار، من خلال الأسرة والمدرسة والإعلام، لأن جيلًا متخلّقًا يعني مستقبلاً مشرقًا.
إبداعه في ميدان الأخلاق
أثرى السيد الشيرازي المكتبة الإسلامية بعشرات المؤلفات في الأخلاق، نذكر منها:
- من خُطى الأولياء
- رسالة في التحية والسلام
- قيمة المرء
- لين الكلام
- الزهد
- الأخلاق الإسلامية
- الفضيلة الإسلامية
- من أخلاق العلماء
- العلماء أسوة وقدوة
وقد تميزت هذه الكتب بلغة بسيطة وعميقة في آنٍ معًا، حيث ربط فيها بين القيم الأخلاقية والدين والعقل، وواقع الحياة، مستشهداً بأمثلة زاخرة من سيرة المعصومين لتجسيد المبادئ الأخلاقية في الواقع العملي.
الفضيلة الإسلامية... أنموذج مشرق
يعدّ كتاب الفضيلة الإسلامية من نفائس ما ألّفه السيد الشيرازي في ميدان الأخلاق، إذ لم يدع فيه شاردة ولا واردة إلا تناولها بالتحليل والتأمل، مستنداً إلى القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وأحاديث أئمة أهل البيت .
يمثّل هذا الكتاب دعوة حيّة للتغيير الذاتي والإصلاح الاجتماعي، من خلال التمسك بالفضائل الإسلامية. فهو لا يفصل بين الأخلاق الفردية والإصلاح العام، بل يراهما متلازمين، ويقدّم رؤى أخلاقية بأسلوب سلس يمسّ الواقع ويحاكي العقل والوجدان معاً.
الأخلاق في مشروعه الحضاري
لم تكن دعوة السيد الشيرازي إلى الأخلاق منعزلة عن رؤيته الشمولية لبناء الأمة، بل كانت ركيزة أساسية في مشروعه الحضاري الذي يقوم على دعائم: الحرية، الشورى، السلم، والتعددية. وكان يؤمن إيماناً راسخاً بأن: ”إذا صلحت الأخلاق، صلح كل شيء في الأمة.“
وقد نبّه إلى أن غياب الأخلاق يؤذن بانهيار المجتمعات، حتى وإن بلغت أوج التقدّم العلمي أو الازدهار الاقتصادي. لذلك، كان يدعو إلى نهضة أخلاقية تبدأ من النفس وتمتد إلى الأسرة والمجتمع والدولة.
القدوة في مكارم الأخلاق
لم يكن السيد الشيرازي داعية للأخلاق فحسب، بل كان تجسيدًا حيّاً لها. لقد كان مثالاً للرقي في السلوك، حتى إن خصومه كانوا يقولون: ”لا تزوروه، فإنه يسحر الناس بأخلاقه!“
كل من عاشره، احتفظ في ذاكرته بمواقف لا تُنسى من كريم أخلاقه، وطيب معشره، وتواضعه الجم. لم يدخل أحد عليه إلا خرج محبّاً له، ولا صاحبه أحد إلا أحبه وصادقه، ومن عرفه عن قرب أدرك فيه الروح المتعالية، والنفس الرفيعة، والخُلق العظيم.
وكان يقول: ”إن الأخلاق تقرّب البعيد، وتلين الشديد، وتضعف القوي، وتقوّي الضعيف، وتهزم العدو، وتخلق للإنسان مكانة في المجتمع.“
خاتمة
لقد خلّف السيد محمد الحسيني الشيرازي إرثاً أخلاقياً وفكرياً غنياً، ما زال ينبض بالحياة، ويشكّل مصدراً للإلهام والتغيير لكل من ينشد التزكية والإصلاح. وتبقى دعوته إلى ثقافة الأخلاق صالحة لكل زمان ومكان، خصوصاً في عصرنا الراهن الذي يشهد أزمة حادة في القيم والمبادئ.
فكم نحن بحاجة اليوم إلى إعادة قراءة فكر هذا المرجع العظيم، لا قراءة نظرية فحسب، بل ترجمة حيّة لسلوكه، لعلنا نكون بحقّ أمة ”خُلقها القرآن“.