أرض الخوف

يعيش الإنسان في هذا الكوكب «كوكب الأرض» وهو يحلم بتحقيق طموحاته وأمانيه؛ مما يجعله في حلمه المشروع في حالة اطمئنان واستقرار بعيدين كل البعد عن التوتر والوجل، فيمشي على هذه الغبراء وخطواته تحكي السعادة في حركاتها، فإذا نظرت إليه شعرت بمدى فرحه وحبوره، وشاهدت النشوة تخرج من بين ثناياه وهو يحقق الإنجاز تلو الإنجاز والنجاح تلو النجاح، ولا يتوقف إطلاقًا طالما عقله يعمل وفكره يتجدد وهمته كجبل أشم وطاقاته في أعلى درجاتها.

كل تلك الحالة المتفائلة الواعدة بكامل تفاصيلها قد يعيقها بل ويتلفها حد الإبادة تحول أرض الهدوء والاطمئنان إلى أرض هي بمنأى عن خصائص تلك الأرض وصفاتها، أرض غلافها الخوف الزائد والقلق المبالغ فيه، أرض تسقي خطواتنا بالألم واليأس؛ لتقتل الخضرة والزهو فينا، وترسم الكآبة في عقولنا وقلوبنا، فلا نفكر إلا بالفشل وما سيفعله معنا، ونلغي مفردة الإنجاز وطعم النجاح على تلك الأرض، إنها يا سادة أرض الخوف.

أرض الخوف هي القلق المَرَضِي المفرط من المستقبل وما سيجري فيه من أمور وأحداث لا تمتّ بأي صلة إلى الحاضر، وليس لها كينونة ولا هي متجسدة، وإنما خيال حفرناه كنقش نحاسي مؤلم في فكرنا، أرض ننغمس فيها حد الإغماء؛ لنجعل جذورها الوهمية الزائفة تصل إلى عمق العقل والقلب معًا، جذور شرسة الطباع تحول ذلك القلق إلى أصفاد فولاذية يصعب الخلاص منها أو على أقل تقدير التحكم فيها، وكلما زاد ذلك القلق واستمر زادت معه مفردات الإحباط والقنوط والهزيمة.

هزيمة نحن من قمنا بصنعها على تلك الأرض المرعبة فكرًا لا واقعًا، أرض جعلتنا نستسلم ولا نفكر أو نخطط لبناء حياة يحيط بها الأمل وتغذيها الإنجازات وتكون نهايتها السعادة والهدوء والاطمئنان.

أرض نبذر فيها الهلع والوجل ونسقيها بالأفكار السلبية؛ لتنتج لنا أشجارًا ذات جذور تشبه الأفاعي تخرج لنا في كل حين؛ لتمارس الضغط علينا وتخنقنا دون هوادة أو رحمة مع تسليم تام من قبلنا.

استسلامنا هذا يعني التوقف عن فعل أي شيء والبقاء في دائرة مظلمة قيودها الخوف، وذلك يؤدي بالضرورة إلى فكرة عدم تقبل تغيير ذلك الواقع المرير، نشعر بعدها وبمرور شريط الزمن بالضيق والغصة مما نحن فيه، ولا سبيل لنا أمام تلك الحالة المقيتة إلا أن نفك الأغلال؛ لنحرر عقولنا ونطلقها لتصنع واقعًا جديدًا مغايرًا تمامًا لما كنا فيه، وتلك هي الخطوة الأولى لننتزع أنفسنا من أرض الخوف.

يعقب تلك الخطوة المهمة خطوات عملية تترجم ذلك الإحساس إلى شيء ملموس نفخر به أمام أنفسنا وأمام الآخرين، خطوات يصبح فيها الفعل المضارع بحالتيه الآنية والمستقبلية هو الحالة المتسيدة والمسيطرة؛ لنبني فيها شخصية منجزة ومنفذة لسلسلة لا تتوقف من المهام في عالم سمته الإبداع والابتكار، عالم ينظر للقلق نظرة طبيعية لا تستوجب الخوف أو عدم العمل.

‏يقول الكاتب المسرحي الفرنسي موليير: ”يقضي الناس معظم أوقات حياتهم يأكلهم القلق على أمور لن تحدث“.