خرابيش مريض 67…. قطرة العمى1
أحيانًا تبدأ الحكاية… أو المأساة… من خطوةٍ صغيرة نظنّها عابرة، كشيء لا يستحق الالتفات.
لكن ما يبدو بسيطًا قد يغيّر كل شيء، ولا ندرك أثره إلا بعد فوات الأوان.
وهذه القصة واحدة من تلك المآسي التي بدأت بهدوء… ثم انتهت بما لم يخطر على بال أحد.
كانت أمي تعيش في واحة الأحساء،
تلك الجنة الخضراء التي تتنفس الصباح برائحة النخيل. أكبر واحة نخيل في العالم، تمتد بخضرتها على أكثر من ثلاثة ملايين نخلة، تُظلّل الأرض كأمٍّ باسطة ذراعيها على أبنائها.
واحة خضراء وسط الصحراء، تتفجّر فيها عيون الماء العذب التي لا تنضب، ويحرسها تاريخ ضاربٌ في القدم، وتنبض بأهلها الطيبين… أرض الخير والحياة والمحبة والسلام.
كل زاوية في بيتها كانت تحمل ذكرى، وكل زائر يمرّ بها يروي لها حكاية تُعيد إليها شيئًا من عمر مضى.
وكانت أمي تقول دائمًا:
"في المدينة أختنق… هناك لا أستطيع أن أشرب قهوة الصباح مع صديقة عمري أم صالح بعد صلاة الفجر، ولا أن أزور جارتي أم علي ضحىً، ولا أن أسمع سوالف أم ناصر التي تجعلنا نضحك وكأننا صبايا.
هنا أسمع نفسي… وهناك ربما أسمع غيري وأنسى نفسي"
ولذلك ظلّت ترفض كل دعوة للانتقال للعيش معنا في المدينة، متمسكة بواحتها الجميلة وهدوئها الذي لا تريد التخلي عنه.
كنا نتركها مطمئنين، ونزورها نهاية كل أسبوع نحمل لها ما تحتاج، ثم نعود ونحن ندرك أن هناك شيئًا لا يمكن تغييره بالقوة… وأنّ بعض الأرواح لا تنزعها من أرضها إلا الأيام.
ذات يوم قلتُ لزوجتي، وهي تستعدّ للذهاب إلى الصيدلية لشراء قطرة لتنظيف الأذن من الشمع، فقد سبّب لها ضعفًا في السمع وطنينًا وتوتراً
لا تحتمل معه جدالًا،
قلتُ لها:
”خذي معكِ أيضًا قطرة لجفاف العين لأمي، فقد أرهقها الجفاف منذ فترة“
عادت بعد قليل تحمل كيسين منفصلين، وقالت إن الصيدلي وضع كل علبة في كيس مستقل حتى لا يحدث خلط بينهما.
وضعت كيس أمي على الطاولة، وأخذت كيسها الآخر، وانتهى الأمر كما ظننا… ببساطة كما يبدو.
في نهاية الأسبوع، حملنا معنا قطرة الجفاف في رحلتنا إلى بيت أمي الذي يبعد عنّا مئة وستين كيلو مترًا.
استقبلتنا كعادتها بابتسامتها الهادئة التي تُنسينا تعب الأسبوع كله، وبحنانها الذي يملأ المكان نورًا وسكينة.
بعد العشاء، سلّمنا العاملة المنزلية قطرة العين لتضعها في عيني أمي ثلاث مرات يوميًا، ثم ودّعناها وعدنا مطمئنين.
لم يخطر ببال أحد أن تلك القطرة الصغيرة كانت تُخفي في داخلها بداية مأساة.
في اليوم التالي، فتحت زوجتي علبة قطرتها، فاكتشفت أنها قطرة للعين وليست للأذن!
اشتعل الغضب في وجهها، وذهبت إلى الصيدلية مسرعةً تعاتب الصيدلي على خطئه. حاول أن يشرح لها شيئًا، لكنها لم تترك له مجالًا للكلام.
كرر اعتذاره، وأعطاها قطرة بديلة للأذن، فظنّت أن المشكلة انتهت عند هذا الحد… لكنها، في الحقيقة، كانت اللحظة التي بدأت عندها خيوط المأساة تتشكّل في الخفاء.
في اليوم التالي، اتصلت العاملة بصوتٍ مضطرب:
عينا أمك حمراء جدًا، وتقول إنها لا ترى بوضوح.
طمأنتها زوجتي، وقالت إن الأمر بسيط، وإننا سنزورها نهاية الأسبوع.
لكن في اليوم الرابع… تغيّر كل شيء.
اشتدّ احمرار عيني أمي، وازداد الألم معها، حتى فقدت قدرتها على الرؤية تمامًا.
اتصلت العاملة بجارتهم أمّ صالح وأخبرتها بالأمر فجاءت مسرعة مع زوجها، وما إن رأتها حتى شهقت:
أختي أم علي… هل ترين؟
فأجابت الأم بصوتٍ يتهدّم:
لا يا أختاه… لم أعد أرى شيئًا منذ يومين.
نقلوها إلى المستشفى على الفور.
في قسم الطوارئ، سأل الطبيب وهو يفحص عينيها بسرعة:
ماذا كانت تستخدم في عينيها هذه الأيام؟
أجابت أم صالح بثقة:
قطرة لترطيب العين، فقد كانت تشتكي من الجفاف.
طلب الطبيب رؤية العلبة. ولما عادت بها، حدّق فيها لحظات، ثم رفع رأسه بدهشة وقال:
هذه ليست قطرة للعين… إنها قطرة للأذن!
ساد الصمت، وانخفضت الرؤوس.
كانت أمّي ممدّدة على السرير، ودموعها تمتزج بقطرات العلاج الذي لم يَعُد يجدي ونحن للتو وصلنا الطوارئ معهم.
لم يجرؤ أحد على النطق، وكلٌّ منّا كان يحمل ذنبه بطريقته…
فالجميع بشكل أو بآخر كان جزءًا من هذه المأساة، أرادوا الخير لها، فأصابوها بما لم يكن في طاقتها.
والآن، صار كلّ شيء بين أيدينا…
لكن لا أحد يعرف ما الذي سيأتي، ولا كيف سنتصرّف.
من هو القاصر؟ ومن هو المقصّر؟
من المسؤول؟ ومن المتساهل؟
وهل ينفع كل هذا العتاب بعد أن فقدت الأم أغلى ما تملك؟
هل سيتحوّل الندم والخطأ إلى واقعٍ جديد نُجبر على التعايش معه؟
أم سننسى كلّ شيء، ونكمل حياتنا كما هي، وتعيش أمّنا بقيّة أيامها في ظلامٍ دامس؟
كنا نعلم - كما أخبرنا الطبيب - أن الضرر الذي أصاب شبكية العين بالغ،
لا تُصلحه عملية ولا يُجدي معه دواء،
وأنها… لن تستطيع أن ترى بعد اليوم.
وبينما كنا غارقين في اللوم، كلٌّ يحمّل الآخر ذنبه، شعرت أمّنا بذلك.
رفعت رأسها، وقالت بصوتٍ واهن، مُتعب، لا يكاد أن يُسمع:
هل سيجرون لي عملية قريبًا… وأعود أرى كما كنت؟
ارتجفنا جميعًا من وقع السؤال، وشعرنا بثقل الغموض يخيّم على الغرفة.
كنا نعلم أن النهاية الحقيقية لم تأتِ بعد، وأن رحلة جديدة، بصورها الغريبة وغير المتوقعة، ستبدأ مع فجر اليوم القادم.
وهنا…
بدأت حكايةٌ أخرى، كيف تصرّف الأبناء… وكيف عاشت الأم ما تبقّى من حياتها.
نتركها مؤجّلة، لنعود إليها في خرابيشنا القادمة.
همسة مريض:
أحياناً، يكفي خطأ صغير ليغيّر كل شيء… ويبقى السؤال:
هل يمكن إصلاحه قبل أن يكون الأوان قد فات؟








