العمى الاستراتيجي: كوداك نموذجاً
في خِضمّ حياتنا اليومية، كثيراً ما نتمسّك بما اعتدناه وألفناه، بل ونتّكئ على نجاحات وإنجازات الماضي وكأنها ضمانُ أبديّ للمستقبل، غير انّ هذا الاطمئنان، وإن بدأ مريحاً في ظاهره، قد يكون في حقيقته بداية لفقدان الرؤية على المدى البعيد، تماماً كمن يعاني من قِصر النظر، إذ يرى ما هو قريب بوضوح، بينما تتوارى الصورة البعيدة شيئاً فشيئاً حتى تفقد ملامحها كاملة.
ولهذا شاع في الحكمة قولهم ”من لا يتقدّم يتقادم“ و”من لا يواكب التغيير يتجاوزه الزمن“ وقيل أيضاً ”إن نجاح الامس ليس ضماناً للنجاح في المستقبل“ بل قيل أيضاً إن ”ما يُفقد بالتردّد أكثر مما يُفقد بالقرار الخاطئ“ لإن الخطأ جزء من النجاح، أما التردد المستمر فقد يمنعك من النجاح أصلاً ".
ومن هنا تتبلور فكرة ما يُعرف اليوم بالعمى الاستراتيجي ”او العمى الفكري“ بوصفه العجز عن استشراف التحوّلات قبل أن تفرض نفسها كواقع لا يمكن تجاهله.
ويتجسّد هذا المفهوم بوضوح في تجربة شركة كوداك، حين تمسّكت بوهج نجاحها الحاضر وغفلت عن موجات التغيير القادمة، تلك الموجات التي لم تكتفِ بتبديل الأدوات، بل أعادت رسم ملامح السوق، وغيّرت قواعد اللعبة بأكملها
وهذا يكشف حقيقة جوهرية مفادها أن التغيير سنّة لا تعرف التوقف، خاصة في هذا العصر المتسارع الذي تضيق فيه المسافات، وتسقط فيه الحدود والحواجز، بل وتتبدّل فيه العادات والتقاليد، ولم يعد هناك متّسع للجمود أو التوقّف أو حتى التردد، فإمّا أن تكون جزءاً من حركة التطوير والتجديد أو على الأقل واعياً بها ومتهيئاً لاستقبالها، وإلا جرفتك حركتها دون خيار منك.
وما يختفي اليوم من تقنيات ومنتجات وشركات أو مؤسسات كانت يوماً ما جزءاً من حياة الناس، لا يزول كأدوات مادية فحسب، بل يصحبه تحوّلٌ في الأفكار والعادات وأنماط التفكير والسلوك وهو ما نشهده ونُعايشه في عالمنا المتغيّر، بل المتطاير.
ومن هنا يبرز السؤال المحوري: من هي كوداك؟ وما المقصود بالعمى الاستراتيجي؟ وكيف نتجنبه؟ وما الخطوات العملية التي تساعدنا على تطوير أنفسنا لنكون أكثر استعداداً للتغيّر؟
شركة كوداك
لا أعتقد أنّ أحداً منا لا يعرف أو على الأقل لم يسمع من هي كوداك؟ الشركة الأمريكية التي تأسست في عام 1888على يد جورج إيستمان واستطاعت خلال سنوات قليلة أن تتحول إلى واحدة من أبرز الأسماء العالمية في مجال التصوير، بعدما جعلت الكاميرا وأفلام التصوير في متناول الناس، لا حكراً على المحترفين فقط.
لكن المشكلة لم تكن في ضعف الابتكار، بل في ضعف تحويل الابتكار إلى مشروع استراتيجي حقيقي داخل الشركة، حيث فضّلت الاستمرار في نموذجها التقليدي القائم على بيع الأفلام والطباعة، خوفاً من أن يؤثر التحول الرقمي على أرباحها الأساسية، كما هي العادة عند كثير من الأفراد والشركات التي تتشبّث بنجاحاتها السابقة وتخشى التغيير.
ومع مطلع الألفية الجديدة، تغيّرت عادات المستخدمين بسرعة، وانتقلت الصورة من الورق إلى الشاشة، ومن الاحتفاظ الشخصي إلى المشاركة الفورية عبر الانترنت والهواتف الذكية، في مقابل الاستجابة البطيئة والمحدودة لكوداك وهو ما جعلها تفقد موقعها التنافسي تدريجياً لتتحول من شركة رائدة في مجالها إلى كيان متأخر عن ركب المنافسة وخارج دائرة الريادة بعد أن كانت في الصدارة.
العمى الاستراتيجي «أو الفكري»
ويعني العجز في الرؤية الاستشرافية للمستقبل الذي يجعل صانع القرار يعتمد على النتائج السريعة أو الافتراضات الحالية أو الراحة الآنية، بدلاً من التحليل العميق لنقاط الضعف والقوة، وملاحظة الفرص والتهديدات المحتملة، وما قد يترتب عليها من آثار بعيدة المدى.
وعلى النقيض من ذلك يأتي مفهوم التفكير الاستراتيجي وهو سلوك متوازن يربط بين الحاضر والمستقبل ويتخذ قرارات تستند إلى فهم البيئة المحيطة، والتوقّع بالمستجدات والتغيّرات بدلاً من الاكتفاء بردود الأفعال المتأخرة.
الخطوات العملية لتجنب العمى الاستراتيجي
بالطبع لا نعني بتجنب العمى الاستراتيجي القدرة على التنبؤ بالمستقبل بدقة واحترافية كما قد يتصور البعض فذلك أقرب إلى الخيال أو التكهّن، لكننا نعني امتلاك الاستعداد النفسي والعقلي لتقبّل احتمالات المستقبل المختلفة، ليصبح ذلك ممارسة واعية وطريقة تفكير تُراجع ما نعتقد أنه ”ثابت“ وتختبره قبل أن يكسرها الواقع، وعلى هذا الأساس يمكن تلخيص أهم السبل العملية لتجنّب هذا النوع من العمى في الآتي:
1 - تنمية عقلية الاستشراف بدل عقلية ردّ الفعل
أظهرت دراسة لمعهد ماكينزي: أن الشركات التي تستثمر في استشراف المستقبل والتخطيط طويل المدى تزيد فرص بقائها في السوق بنسبة أعلى من تلك التي تركز فقط على الأداء المالي قصير الأجل، كشركة نتفليكس «Netflix» التي بدأت كمؤجر أقراص ”DVD“ بالبريد، لكنها استشرفت مبكراً أن المستقبل يتجه نحو البث الرقمي، فاستثمرت في المنصات الإلكترونية والإنتاج الخاص، في المقابل تجاهلت شركة بلوكباستر «Blockbuster» هذا التحول، فاختفت تقريباً من السوق خلال سنوات قليلة
2 - تبنّي ثقافة التعلّم المستمر
العمى الاستراتيجي غالباً ما ينشأ عندما يظن الفرد أو المؤسسة أنهم ”يعرفون كل شيء“ أو ”لِما نُغير ما دام عندنا ما يكفينا“ أو ”ما فيها يكفيها“ إلخ.. وقد اشارت دراسة جامعة هارفارد للإعمال إلى أن القادة الذين يُخصصون وقتاً منتظماً للتعلّم ومتابعة الاتجاهات الحديثة يكونون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية الناجحة بنسبة ملحوظة مقارنة بغيرهم، ومثال على ذلك شركة مايكروسوفت في عهد ساتيا ناديلا ألتي اعادت بناء ثقافتها الداخلية على مبدأ ”عقلية النمو“ Growth Mindset»» فانتقلت من التركيز على بيع البرمجيات فقط إلى الاستثمار في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، ما أعادها بقوة إلى صدارة الشركات التقنية العالمية.
3 - الإصغاء لصوت العميل لا لصوت السوق فقط
كثيراً ما تنشغل المؤسسات بمراقبة تحرّكات المنافسين واتجاهات السوق العامة، لكنها تغفل عن البوصلة الأصدق لأي تحوّل استراتيجي حقيقي: سلوك العميل نفسه، فالسوق يعكس صورة الحاضر، بينما العميل بعاداته وتوقعاته المتغيرة يُشير غالباً إلى ملامح الغد.
وقد أشارت دراسات في إدارة التسويق الاستراتيجي إلى أن الشركات التي تبني قراراتها على ”العميل“ وليس فقط على الحصة السوقية تحقق مستويات أعلى من الولاء والاستدامة التنافسية، ويتجسد هذا المفهوم بوضوح في تجربة ”ما كدونالدز“ التي لم تحافظ على ريادتها العالمية عبر توحيد منتجاتها حول العالم فقط بل من خلال الإصغاء العميق للعميل لمعرفة حاجاته ورغباته المتغيرة، ففي الهند مثلاً، استبدلت لحوم الأبقار بمنتجات نباتية، وفي الشرق الأوسط طوّرت قوائم تناسب الذائقة المحلية، ومع تصاعد الاهتمام بالصحة أضافت خيارات أقل سعرات وبدائل صحية، وقد لخص أحد مديريها التنفيذين هذا التوجه بقوله ”نحن لا نبيع وجبات سريعة فقط، بل نقرأ مجتمعاتنا قبل أن نقرأ قوائمنا“.
وأخيراً.. العالم لا يتغيّر فقط، بل يتطاير
نحن لا نعيش زمناً تتحرك فيه الأشياء ببطء يمكن ملاحظته، بل نعيش في عالماً يتطاير فيه الواقع من حولنا كأوراقٍ في مهبّ رياح لا تهدأ، فما نعرفه اليوم قد يُصبح غداً أثراً، وما نطمئن إليه الآن قد يتحوّل في لحظة إلى ذكرى، وكما علّمتنا كوداك، فإن النجاح حين يتحوّل إلى ملاذٍ آمن، يُصبح في الوقت ذاته بداية للتراجع.
ولذلك، ليكن التعلّم عادة لا مرحله، والسؤال نهجاً لا طارئاً، والمرونة أسلوب حياة لا خياراً مؤجلاً، فالمستقبل لا ينتظر من يراقبه من بعيد، بل يفتح أبوابه لمن يجرؤ على صناعته بعقلٍ يقظ، وقلبٍ شجاع، ورؤية ٍ تعرف أن العالم... لم يعد يتغيّر فقط، بل يتطاير كما يُقال








