الخصوصية

تُعَدّ الخصوصية حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، لا يجوز التعدي عليه، بل يجب توفير الحماية الكاملة له من أي انتهاك، سواء كانت حماية أخلاقية أو دينية أو قانونية، تكفلها أنظمة الدولة التي يعيش فيها الفرد. فالخصوصية تعني أن يكون لكل إنسان مساحة آمنة من حياته الشخصية لا يحق للآخرين الاطلاع عليها أو التدخل فيها دون إذنه، سواء تعلّق ذلك بأسراره الخاصة، أو شؤون بيته وعائلته، أو مراسلاته، أو معلوماته الشخصية، أو توجهاته الفكرية أو الدينية أو الرياضية، أو قراراته الخاصة، على أن تبقى هذه الخصوصية في إطار الأمن الوطني والسلم الاجتماعي في المقام الأول.

وفي زمنٍ تسارعت فيه وتيرة الحياة، وتداخلت فيه المساحات الخاصة مع العامة، بات مفهوم الخصوصية من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى وعيٍ وإعادة تأمّل. فالخصوصية ليست ترفًا اجتماعيًا، ولا مطلبًا ثانويًا، بل هي حق إنساني وجودي أصيل، وركن أساسي من أركان الكرامة الإنسانية؛ إذ تشكّل للإنسان سور الأمان النفسي الذي يحفظ له اتزانه وراحته، وهي ضرورة نفسية واجتماعية لا غنى عنها.

فالخصوصية تُشعر الإنسان بالاحترام والأمان، وتجنّبه القلق الناتج عن التطفل أو التعدي، كما تسهم في بناء علاقات متوازنة بين الأفراد قائمة على الثقة المتبادلة، بعيدًا عن السلوكيات الأخلاقية الخاطئة كالفضول والتدخل فيما لا يعني.

وقد حظيت الخصوصية في الثقافة الإسلامية بعناية خاصة، إذ أُحيطت بأحكام شرعية ملزمة للفرد المسلم، شأنها شأن بقية الأحكام الشرعية المتعلقة بأموره الدينية كالصلاة والصيام والحج وغيرها. فهي أحكام يُثاب المسلم على الالتزام بها، ويُحاسب على مخالفتها. فالخصوصية تستلزم الاستئذان وموافقة صاحبها عند الاقتراب منها، وبدون هذا الاستئذان يُعدّ الفعل محرمًا شرعًا، فضلًا عن كونه تجاوزًا أخلاقيًا غير مقبول ومرفوضًا شكلًا ومضمونًا. وقد أكد الله تعالى أهمية ذلك في قوله سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا.

وفي هذه الآية الكريمة تأصيل صريح لثقافة احترام خصوصيات الآخرين قولًا وفعلًا، وعدم اقتحام مساحاتهم دون إذن. كما ورد النهي في الإسلام عن التجسس وتتبع العورات، لما في ذلك من انتهاك للكرامة الإنسانية وإفساد للعلاقات الاجتماعية. وقال نبينا الكريم ﷺ:

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وقبل أيام قليلة، حدث معي موقف غريب نوعًا ما في أحد البنوك المحلية، بينما كنت أجري بعض العمليات المصرفية على جهاز الصراف الآلي، إذ فوجئت بشخص لا أعرفه، ولا تربطني به أي علاقة، يقف بجانبي تمامًا، وكأنه شريك لي في الحساب البنكي. وكان من المفترض أن يقف خلفي بمسافة مناسبة، حفاظًا على الخصوصية الشخصية والمعلوماتية، وتوفيرًا للراحة النفسية. مما اضطرني إلى التوقف عن إتمام العملية، وطلبت منه بكل احترام ولطف أن يقف خلفي ويحفظ دوره كبقية العملاء، علمًا بأن عدد المنتظرين لم يتجاوز شخصين، وهو قد دخل للتو من بوابة البنك. والمؤسف أن رده كان سلبيًا، تخلله نوع من التنمّر عبر نظرات حادة وغير لائقة.

وقد تتكرر مثل هذه الاقتحامات السافرة لخصوصيات الآخرين من قبل بعض المتطفلين بين الحين والآخر، ودون وجه حق، وبأشكال مختلفة، سواء في الأماكن العامة أو الخاصة، إذ لا يفرّق هؤلاء بين هذا وذاك، وكأن بوصلة الإحساس لديهم معطّلة أو ميتة. وهو سلوك يعكس فقرًا ثقافيًا وأخلاقيًا في فهم مفهوم الخصوصية الشخصية والاجتماعية وأهميتها كسلوك حضاري. كما أن هذه التصرفات الفردية لا تعبّر عن رقي المجتمع ولا عن سمو أخلاق أبنائه ونضجهم الفكري والثقافي؛ فالمجتمع الذي يحترم خصوصية أفراده هو مجتمع أكثر تماسكًا ورقيًا واحترامًا، وأقرب إلى الطمأنينة، وأبعد عن النزاعات وسوء الظن.

وفي وقتٍ ازدادت فيه مظاهر التنوع الاجتماعي، وتكاثرت فيه العادات والأعراف، تبقى الخصوصية ميزانًا أخلاقيًا يميّز بين الوعي والتطفل، وبين الرقي والعبث. فهي ليست حاجزًا للعزلة، بل جسرًا للاحترام، وحفظًا لحقوق الآخرين وحدودهم، وصونًا لكرامتهم. إن صيانة الخصوصية مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الفرد، وتترسخ بسلوك المجتمع، لتصبح ثقافة ذات قيمة أخلاقية قبل أن تكون حقًا قانونيًا، ومسؤولية فردية قبل أن تكون مطلبًا اجتماعيًا. فحريٌّ بنا أن نحفظها لأنفسنا، ونصونها لغيرنا، لنعيش في مجتمع يسوده الاحترام، وتظلله الثقة، وتجمعه القيم النبيلة

كاتب رأي، وموظف في القطاع المصرفي.