سكينة المحراب كيف نحافظ على روحانية مساجدنا؟
المسجد يعد الركيزة الأساسية للعبادة، وقد أوضحت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة مكانته وقيمته الكبيرة في حياة المجتمع.
فهو يشكل نقطة تجمع للمؤمنين والمؤمنات، حيث يجدون فيه روح الألفة، والمحبة يتبادلون الأعمال الخيرة. يُعتبر المسجد ملتقى روحياً يجمع جميع الفئات العمرية ويوحدهم حول قيم العبادة والإيمان. المسجد ملاذ الروح، ومحطة الاستراحة من ضجيج الحياة وهمومها.
قال رسول الله صلى الله عليه وآلة «أن بيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، ألا إن على المزور كرامة الزائر، ألا بشر المشائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة»..
قال الإمام الصادق
«عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت الله في الأرض، ومن أتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه وكتب من زواره فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء»
الصلاة الوسيلة الأسمى لإمداد الروح بقوة التغيير والالتزام.
إن أول ما يخدش حياء الروحانية في بيوت الله هو الضجيج؛ سواء كان ذلك عبر رنين الهواتف المحمولة بنغمات لا تليق بقدسية المكان، أو عبر الأحاديث الجانبية التي ترتفع أصواتها لتزاحم المؤذن حينما يرفع صوت الاذان. نحن لا نأتي للمسجد لنقل أخبار الدنيا، بل جئنا للعبادة، ونناجي رب العالمين، فكيف تنسجم المناجاة والدعاء والتلاوة مع لغط الكلام؟
عندما يدخل المؤمن المسجد، يُغذّي جانبه الروحي بما يعزز من قدرته على أداء العبادة، التي تُعد ركناً أساسياً في حياة الإنسان للسير على المنهج الإلهي القويم، يمثل المسجد محطة تمنح الإنسان طاقة إيمانية، خاصة من خلال الصلاة التي تُعد الوسيلة الأسمى لإمداد الروح بقوة التغيير والالتزام.
لكن إذا لم تكن الصلاة باعثة على التغيير الداخلي في حياة الفرد، فإن ذلك يشير إلى قصور في استثمار تلك الطاقة الروحية.
داخل رحاب المسجد، نحظى بلحظات صفاء ونعيش حالة من الروحانية الغامرة التي تجدد أملنا وقوتنا للتحمل والمضي قدماً في الحياة هربا من ضوضاء الشوارع وإزعاج الأسواق وصخب المعاش، نسعى إلى عبادة الله الواحد القهار.
نسافر بأرواحنا إلى عمق السكينة حيث تطمئن النفوس، وتنبض القلوب حياةً جديدة، وتصفو الأرواح والمشاعر، ويجد العقل اطمئنانه. هناك تكمن لحظات استكمال البناء الإيماني والاستقرار النفسي، بعد أعباء الحياة التي تثقل كواهلنا.
كيف نحمي هدوء مساجدنا؟
لكن للأسف، وبعد كل هذا التعب والمشقة، قد نجد في بعض المساجد ما يناقض تطلعاتنا. بدلاً من الطمأنينة التي نبحث عنها، قد نُصدم بالفوضى والضوضاء التي انتشرت في بعض مساجدنا، وهي بيوت يجب أن يعمها التعظيم والتقدير. كيف لا وقد شرفها الله لتكون مكانا يعظم فيه ذكره ويُسجد له ويذكر فيها اسمه الكريم. حيث قوله تعالى «في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يُسبح له فيها بالغدو والآصال» «النور: «36».
الفوضى داخل المساجد قد تصدر من مختلف الفئات، سواء كانوا من كبار السن رجالًا ونساءً، الأطفال الصغار، أو الشباب وغيرهم. لذلك، من المهم تعلم كيفية التعامل مع كل فئة بطريقة تناسب طبيعتها وعمرها، مع التركيز على تقديم النصح والإرشاد بأسلوب لطيف ومناسب. وينبغي تجنب القسوة في التعامل معهم حتى لا يتسبب ذلك في ابتعادهم عن المسجد.
لو تأملنا قليلًا في بعض مظاهر الفوضى التي تحدث داخل المسجد، سنجد أن من أبرزها رفع الصوت بما يؤدي إلى إزعاج وتشويش من يتعبد لله تعالى، سواء كان ذلك من خلال أداء صلاة الفريضة أو النافلة، أو قراءة القرآن الكريم، أو الدعاء، أو غيرها من العبادات.
ينبغي على المؤمنين والمؤمنات الذين يرتادون المساجد لأداء الصلاة أن يحرصوا على احترام قدسية هذا المكان، كونه بيت الله وليس مكاناً لتبادل الأحاديث أو رفع الأصوات، وبمجرد أن يُرفع الأذان وتُقام الصلاة، يتعين على الجميع التوجه للعبادة والصلاة بقلوب خاشعة، مع التأمل في كل كلمة من كلمات الأذان ومعانيه.
والإرتقاء بالذوق والأخلاق في المسجد يعكس قدسية المكان، حيث عند دخوله أن يتقدم بالصلاة ركعتين تحية المسجد.
وتجنب رفع الصوت، وإغلاق الهواتف، والالتزام بالنظافة، وحسن الخلق يقتضي كف الأذى، واحترام المصلين، وتجنب الإزعاج، والتحلي بالسماحة والوقار.
إن وضع العديد من المساجد اليوم يبعث على الأسى، وذلك بسبب نقص معرفة الكثير من المؤمنين والمؤمنات بأحكام المساجد وآدابها. ممارسات تجعل المساجد ساحات للفوضى.
من هذه الممارسات التي قد تسبب بعض الفوضى في المساجد أحيانًا هو رفع بعض المؤمنين لأصواتهم أثناء إقامة الصلاة، خاصة من الجالسين في الجزء الخلفي للمسجد، وذلك بهدف حث الآخرين على ملء الصفوف الأمامية أو الدخول إلى داخل المسجد. إلا أن هذا السلوك يُعتبر غير ملائم خلال لحظات إقامة الصلاة، حيث يُفضل للمؤمن حينها التوجه بهدوء نحو الصفوف الأمامية وعدم ترك أي فراغات أمامه.
نلاحظ أن بعض الأشخاص يجتمعون أحيانًا في المساجد لعقد حلقات يتبادلون فيها أحاديث عن أمور دنيوية، ولا حرج في ذلك إذا اقتصر الحديث على الأمور المباحة.
لكن للأسف، قد يتجاوز الأمر أحيانًا إلى ما هو محرم، مثل الغيبة والنميمة والخوض في أعراض الآخرين.
”روحانية مساجدنا ليست مسؤولية الإمام أو قيوم المسجد فقط“
دائمًا يوجه إمام المسجد نصائحه للمؤمنين والمؤمنات، مكررًا مرارًا أهمية الامتناع عن التحدث ورفع الصوت أثناء إقامة الصلاة، وكذلك التأكيد على التزام الهدوء وعدم التحدث أو رفع الصوت خلال الجلوس للدعاء بين الفرضين.
في الآونة الأخيرة، تعددت الملاحظات بشأن تكرار هذه الظاهرة بين المؤمنين والمؤمنات، حيث اشتكى العديد من هذه الحالة.
دائما يتحدث إمام المسجد موجهاً النصيحة للحاضرين، داعياً الجميع لاحترام قدسية المكان وتجنب إحداث الفوضى والضجيج، يهدف هذا التنبيه إلى الحفاظ على تركيز المصلين ومنع تشتت انتباههم نتيجة الأصوات أثناء أداء الصلاة، الدعاء، أو النوافل. وإن حماية روحانية مساجدنا ليست مسؤولية الإمام أو قيوم المسجد، بل هي مسؤولية كل من دخل هذا المكان المقدس.
الأصل أن يكون الوجود في المسجد مخصصًا للعبادة، لذا يُفضل للمؤمن أن يستثمر وقته هناك في الصلاة، تلاوة القرآن أو الدعاء. وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فمن المهم أن يكون الحديث مقتصرًا على ما يتعلق بالشؤون الدينية والعبادية.
المساجد تُعد رمزاً لاحترام شعائر الله وتعظيمها، وهو ما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى: «ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ» سورة الحج اية 32 وتستوجب هذه القداسة والعظمة اهتماماً دائماً للمحافظة عليها وصون مكانتها.
لذلك، من الضروري أن تحرص إدارة المسجد على معالجة أي مظاهر للفوضى بشكل دقيق ومدروس، مع الالتزام بالمراقبة المستمرة وتقديم حلول فعالة تعالج هذه التحديات بأساليب حكيمة وتجنباً لأي سوء تفاهم، يجب أن يتم التعامل مع مثل هذه الأمور بأسلوب لطيف يراعي شعور جميع المؤمنين والمؤمنات ويحفظ روح الاحترام بين الجميع.
”أخي المؤمن اختي المؤمنة“ لنجتهد جميعًا في أن تكون مساجدنا واحات حقيقية. "
أكتب لكم هذه الكلمات لا من باب الوعظ أو التوجيه، بل كتأملات صادقة أردت مشاركتها معكم خلال وجودكم في بيت الله، هذا المكان العظيم الذي يحتل مكانة خاصة في قلوبنا جميعًا. إن هذا البيت المبارك يستحق منا كل الاحترام والتقدير لما يرمز إليه من قداسة وإجلال. لنجتهد جميعًا في أن تكون مساجدنا واحات حقيقية تعمها السكينة والطمأنينة، ونسعى دائمًا لأن يتحول وجودنا في رحابها إلى مصدر خير وإشراق، تمامًا كما هو جمال الصلاة وروحانيتها. فالمسجد الذي تغمره الروحانية والحضور القلبي هو ذاك المكان الذي نتركه بقلوب نقيّة ومتجددة عن حالها التي دخلت بها.









