الخرمدي ودوره في خدمة الوطن والمجتمع
«العمد السابقين»
القليل من أبناء هذا الجيل من عايشوا دور العُمد السابقين - أيام زمان - قبل ثمانين عامًا وأكثر، كان العمدة أو المختار يُرشَّح من قبل الأهالي، ويحمل كامل المعرفة والتزكية من كبارهم وشيوخهم، وكان مُلمًّا بأسماء أهل البلدة فردًا فردًا، وبعائلاتهم وأماكن سكنهم، لا بدفترٍ أو صحيفة مكتوبة، وإنما بذاكرةٍ حاضرة لا تمحى،
كان العمدة محلَّ ثقة الجميع، وأهلًا لتحمّل المسؤولية، بيته للجميع، وبابه مفتوح لا يُغلق بتاتًا، معروفًا لدى الكبير والصغير، فبيت العمدة علمٌ يُشار إليه بالبنان، وفي تاروت، من بيوت العمد التي عُرفت، ولوقتٍ قريب، بيت «الخرمدي» - أبو أحمد - تحديدًا، والذي بفضل الله وكرمه، ما زال قائمًا في حي الدشة، ذلك العمدة الذي أمضى أكثر من أربعين سنة ما بين مختارٍ وعمدة، في خدمةٍ متواصلة لم يتسنَّ له خلالها أخذ إجازة سنوية أو حتى عرضية، ولا حتى السفر خارج الوطن.
كان العمدة يمثّل دورًا اجتماعيًا مهمًا في وسط أهالي البلدة، دور المصلح والناصح والمستشار في الشدائد، صاحب خبرة طويلة، قادر على حسم المواقف الصعبة، وإيجاد الحلول لكثير من المشكلات التي تنشأ بين الأسر والجيران، وإصلاح ذات البين، وغير ذلك، ووفقًا لما يسوغه العرف التقليدي، كان العمدة شخصيةً مرجعيةً اجتماعيةً نافذة، ذا رأيٍ سديد، وهيبةٍ بارزة، وبمثابة محامٍ للجميع، كلمته مسموعة، ومحل احترام وتقدير الأهالي وعائلاتهم.
في أيام زمان، كان العمدة يمارس عمله بمفرده، متحملًا الكثير من الجهد والمشقة، في ظل عدم توفر المواصلات، كان يؤدي مهام عمله بين البلدات التابعة لتاروت مشيًا على الأقدام، ولا يتقاضى راتبًا مجزيًا، بل ذُكر في وقتٍ ما، أنه لا يتقاضى شيئًا، كان ارتباطه بالإمارة والشرطة مباشرًا، ويحمل ختم العمدوية في جيبه على مدار الساعة، للتصديق والتعريف، لا يغيب عن الأنظار، متواجدًا في البلدة بين الأهالي، ومعهم ومع تجارهم في دكاكينهم، وفي الأسواق العامة، والمجالس، والمناسبات الاجتماعية في الأفراح والأتراح، ومن المتعارف عليه سابقًا أن دور العمدة كان دورًا متوارثًا، وهو ما يضفي عليه طابعًا اجتماعيًا خاصًا.
من مهام العمدة الاهتمام بالأمور والمسائل التي تمسّ أهالي بلدته، وتقديم المساعدة لهم، ومنها تلبية طلباتهم كافة، كتصديق الأوراق التي تطلبها الدوائر الرسمية، مثل أوراق التعريف والكفالات وغيرها، ومن المهام المهمة كذلك، وهي من المسؤوليات الاجتماعية الكبيرة الملقاة على عاتق العمدة وأمانة في رقبته، والمُعتمدة من الدولة حفظها الله، البحث عن المستحقين من الفقراء والمحتاجين، والأسر التي لا عائل لها ولا معين، من الأرامل والمطلقات، والقُصّر، والمسنين والمرضى واصحاب الهمم ذوي الإحتياجات الخاصة وغيرهم، ورفع أسماء المزارعين والفلاحين والبحارة وأصحاب الدخل المحدود المحتاجين إلى المساعدة والإعانة، مع المتابعة المستمرة والمسؤولة لدى الجهات المختصة.
وكان العمدة، ومعه رجال البلد من الأعيان، يتحملون مسؤولية كبيرة في الحفاظ على أمن البلدة من أي مكروه - لا سمح الله - وبصفته ممثلًا للجميع، كان في موضع مساءلة عن البلاغات التي تُرفع من الجهات ذات الاختصاص، الأمنية منها والسلوكية،
ومن مهام العمدة أيضًا المصادقة على المواليد والوفيات عند الطلب، والإبلاغ الفوري عن الحرائق في المنازل والمزارع وسائر الأماكن العامة والخاصة، والإبلاغ عن انقطاع الكهرباء والماء، ومن بعض المهام الأمنية التعقيب على الحراس الليليين المعروفين ب «العسس»، للتأكد من وجودهم في أماكن عملهم وأدائهم لواجبهم على أكمل وجه، وتقديم المساعدة لهم عند الحاجة، كما كان من مهامه الحرص على حصر زكاة النخيل السنوية مع لجنة الخراريص، وتدوين المسيرات بعدد إنتاج التمور لكل نخلة أو مزرعة، باسمها وباسم مالكها الأصلي.
نبذة قصيرة عن تاريخ العمدة «الخرمدي»:
إن والدي الحاج منصور محمد علي الخرمدي - أبو أحمد - مع والدتي الحاجة زهراء بنت حسن آل سالم - أم أحمد - وهي من أهالي الربيعية، كانا توأمين في خدمة المجتمع، نذرا نفسيهما ابتغاء مرضاة المولى جلّ شأنه، وبحثًا عن أجرٍ ومجدٍ عند الله العزيز المقتدر، فقد كانت مشكلات المجتمع كثيرة وهمومه عديدة، وكان بابهما مفتوحًا للجميع على مدار الساعة.
وُلد والدي - رحمه الله - في بلدة أسلافه، جزيرة تاروت، في حي الديرة، وعاش فيها مع عائلته، وكان منزلهم في وسط الديرة القديمة «بيت المرحوم يوسف الحجاج - حاليا» بين العوائل الكبيرة المحترمة، قبل أن ينتقل إلى الدشة، ثم إلى الربيعية، وقبل أن يصبح مختارًا ثم عمدةً لجزيرة تاروت، كان تاجرًا له محل في الديرة.
تم ترشيحه من قبل الأهالي، وحصل على الدعم والتأييد والتزكية من أعيان البلد وعدد من أعيان القطيف، ومنهم المرحوم سماحة الشيخ العلامة عبدالحميد الخطي - رحمه الله - الذي حدّثني شخصيًا أثناء وجودي في المحكمة لإصدار صك حصر الورثة بعد وفاة والدي، حيث قال لي ببشاشة وجهه وابتسامته الأبوية الحنونة:
«ترى إحنا من رشّحنا أبوك عمدة».
وقد تم تعيينه عمدةً لبلدة تاروت وتوابعها في عهد صاحب السمو الأمير سعود بن جلوي أمير المنطقة الشرقية «رحمه الله» عام 1377 هـ ، بعد أن أمضى ما يقارب أربعة عشر عامًا مختارًا للبلدة. وخدم في العمدوية ما يقارب ثلاثين عامًا، ليصل مجموع خدمته إلى أكثر من أربعين سنة خدمة متواصلة، ولا تزال لدي وثيقة تعيينه، وهي صغيرة لا تتجاوز طول وعرض الكف.
إن جزيرة تاروت تعرف هذا الرجل جيدًا، غير أن عددًا من معاصريه وأصدقائه ومجالسيه قد رحلوا عن هذه الدنيا - رحمهم الله جميعًا - وبعضهم لا يزال على قيد الحياة - أطال الله أعمارهم في صحة وعافية، وأذكر هنا أيضًا، ما سطّره قلم سعادة الدكتور جميل الجشي - حفظه الله - في لفتةٍ كريمة يشكر عليها، حيث ذكر سيرة والدي في كتابه تراث الأجداد «ص 305 و420» كما تعيش في ذاكرتي أسماء عددٍ من أعيان الجزيرة الذين يطول المقام بذكرهم جميعًا، غير أنه لا بد من الإشارة إلى بعض العوائل التي ينتمي إليها والدي من أبناء عمومته وأخواله، وهم: عائلة المتروك والدبيس «وهي العوائل التي كان ينتمي إليها قبل استبدال اللقب بالخرمدي»، إضافة إلى عائلة الحليو، وآل عوجان، والنطعة، وغيرهم، وسوف نتناول ذكرهم بشكل أوسع في كتابنا المرتقب - والذي هو في متناول المراجعة والتدقيق ورصد البعض من الصور والقصص الواقعية، والشهادات التاريخية، إلى ممن عاصروه - حفظهم الله - ومن تعامل معه من جلينا الحالي، أطال الله في أعمار الجميع.
سيتناول الكتاب، الذي هو في الإعداد، الكثير من المراحل والحقب الزمنية، من بينها: تاريخ المولد والشباب، الزواج والأعمال الأولى، ترشيحه مختارًا لتاروت ثم تعيينه عمدة، والعمدة وعلاقته بالمجتمع، والأمن، والبلديات، وإصلاح ذات البين، والأسر الفقيرة «الضمان الاجتماعي»، وأعيان البلد، والتجار، والبحارة، والخراريص «حصر زكاة النخيل» وتفاصيل عن العسس «حراس الليالي» حتى وقتٍ قريب، كان هناك دور أمني مسند من الدولة - حفظها الله - إلى هؤلاء الرجالٍ من أهالي الحي أو البلدة، بزيٍّ مدني، يجوبون الشوارع والأسواق ليلًا لحماية الحي، عُرف هؤلاء برجال“العسس”،
وكان العمدة هو الشخص المخوّل بالتعريف وتزكية الأشخاص لتلك المهمة الأمنية الحساسة والخطرة، إذ لم يكن بحوزة العسس للدفاع عن أنفسهم سوى العصي، وصفارة الإنذار، وكشاف يدوي «وقبل ذلك الفانوس»، وأحيانًا الحبال لتقييد المجرمين، في حال الاعتداء عليهم - لا سمح الله - من قبل المتسللين ليلًا، كذلك الأحداث مثل الحرائق المتكررة التي اجتاحت بعض مزارع البلدة حتى عام 1400 هـ ، وعاشوراء، والخطباء والمشايخ، وقضايا الأهالي، وخطابات الشكر والثناء، والصلاحيات الممنوحة له، وما قيل عنه ممن عاصروه، حتى لُقّب ب «العمدة المحامي»
كما سيتطرق الكتاب إلى ظروف طلبه التقاعد بسبب المرض «ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب» وسوف يذكر عضويته في عددٍ من اللجان المشكلة كعضو خبرة، ومنها لجنة أراضي مخطط الجامعيين وذوي الدخل المحدود عام 1403 هـ ، وتراخيص البناء لبعض الأراضي في الاحياء التي كانت بيوتها عششًا،
ولا أنسى في هذا المقام الإشارة إلى الرجال الأوفياء الذين كانت لهم مواقف مشرفة عرفاناً للجميل، ومنهم الحاج حسن علي دهنيم - أطال الله عمره - الذي كان كاتبًا لخطابات ومكاتبات الوالد، ومن أهل ثقته، وحافظًا لأسرار مهنته، بكل أمانة وأخلاص، وكان والدي - رحمه الله - يمنح طالبي توقيعه ثقته الكاملة، ويحمل ختمه الرسمي، ميسّرًا أمور الناس وقاضيًا لحاجاتهم،
لقد كان الوالد - رحمه الله - وهو ما يفيد به من عرفه، عمدةً ومصلحًا اجتماعيًا، يتمتع بشخصية قوية ومؤثرة، وقد عاش معي بعد تقاعده سنواتٍ عديدة في مدينة الرياض خلال فترة عملي بالقوات الجوية، وتوفاه الله بتاريخ 5 / 5 / 1418 هـ في مستشفى القوات المسلحة بالرياض، حيث كان يتلقى العلاج.
سقى الله ذلك الزمان، ورحم الله رجاله الذين أدوا الأمانة وأخلصوا في خدمة دينهم، ثم مليكهم، ثم وطنهم ومجتمعهم، وحفظ الله هذه البلاد، بلاد الحرمين الشريفين، وقيادتها الحكيمة، وشعبها الكريم، من كل بلاء ومكروه.










