عرجت نخلةً ولائيةً رحمها الله.. ”الزهران“ «1»
”أبغى أروح لدورية الزهران“
كانت جدتي لأبي تعزف اسمها كثيراً - أسبوعياً أقلاً -.. زهرة «الزهران» امرأةٌ من عباد الله الصالحين ونخلة باسقة بالعطاء لفاطمة الزهراء - عليها وأبيها وبعلها وبنيها أفضل الصلاة والسلام - من نخلنا النخلي.. امرأة صالحة بمعنى الكلمة. وفاءً لجدتي ولها رحمهما الله كتبت هذه الأبيات المتواضعة في حق من كانت مصداقاً أروعاً للرواية الشريفة ”أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا“.
بين يدي الأدب الأصيل
وقبل الوقوف على محاولتي المتواضعة أنقل الرثاء كما يليق الرثاء الذي نضد ورود حزنه أديبنا الأريب فضيلة السيد محمد حسين مبارك دام عطاؤه فهو الأحق بهذا المقام لعلمه وعلو كعبه الأدبي وأنه بن الحوش «الحي» المجاور للقبر النبوي الشريف الذي كانت تعيش فيه هذه المؤمنة الصالحة وهو حوش المغربي.. فبذلك هو أعرف بطريق العلم والأدب والجيرة إلى رثائها رحمها الله.
يقول - دام عطاؤه الرقراق بعبق الصفاء الروحي -...
قدوةٌ.. يا أم طاهر
في رحاب الآلِ رُحتي فابشري يا أمَّ طاهرْ
أبشري بالخلد مفروشاً بألوان الأزاهرْ
كل شبر من ثراك اليوم نور في المقابرْ
في طريق الله أنتِ اليومَ قد جزتي المعابرْ
إنه المولى حسين جاء يهديك البشائرْ
فاشربي ماءً طهوراً طاهراً من كف طاهرْ
واذكري إذ كنتي للقربى تعدين المآثرْ
لا تخافي اليوم من بؤس ولا من ظلم قاهرْ
من بنى للآل بيتاً ليس في الميزان خاسرْ
***
كم بذلت القلب للزهراء ينبض بالمشاعرْ
كم صرفتي «زهرة» العمر على جمع المفاخرْ
كم نشرتي العطر من عمرٍ من الأحسان عاطرْ
كم جمعت الحب للزاكين في أعلى الذخائرْ
كم سكبتي الدمع حزناً غامراً في يوم عاشرْ
كم ملأتي الحيَّ إلهاماً وشيدتي المنابرْ
كم ملأتي القلب حباً صادقاً لا بالمظاهرْ
كم مشيتي الدرب للمولى على رغم المخاطرْ
كم حملتي الحزن في قلب على الأعباء صابرْ
كم فتحتي الباب جوداً للأكابر والأصاغرْ
لم تهابي في ظلام الدرب من حقد لغادرْ
كنتي للحاضر أنساً ودعاءً للمسافرْ
كنتي قطباً للرحى بين الأوائل والأواخرْ
كنتي سرّاً قد تجلى في نقيَّات السرائرْ
***
لا تهابي في ظلام القبر من عمق الحفائرْ
واعلمي أن الوصي المرتضى في القبر حاضرْ
نورك الأبلج وضّاءٌ على كل النواظرْ
مثلما قد كنتي في الأحياء تحين الشعائرْ
قبرك اليوم سيبقى نيِّراً بالذكر عامرْ
وسنبقى كلما مرت على الذكرى خواطرْ
نذكر الماضي حنيناً نحو أمسٍ كان غابرْ
***
قد رأينا فيك إنساناً على الأحسان شاكرْ
وفهمنا منك درس الحلم لو دارت دوائرْ
وتعلمنا بأن المرء يوزن بالمخابرْ
كم لمحنا بين عينيك الهدى لذوي البصائرْ
قدوة قد كنتي للأحرار فينا والحرائرْ
كنتي كالشمعة فينا شعلةً يا أم طاهرْ
على سفح طور الشعر
وعلى تخوم هذا النص الراقي تأتي محاولتي المتواضعة التي جاشت بها النفس حين سمعت خبر وفاتها حيث حرك القريحة صورتها التي رسمتها في ذاكرة الزمن أنها كانت تحي ليلة الجمعة للنبي والعترة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مهما كانت الظروف وأياً كان الحضور لو وحدها مع بناتها ربط المولى على ذويها بالصبر والسلوان وطيب الله ثراها وأسكنها فسيح جناته مع محمد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -.
في القصيدة أحاورها عن احيائها أخر ليلة جمعة حيث وافتها المنية يوم الجمعة الموافق 6 رجب 1447 هـ .. فأقول:
”زهران“ «1» يا شمس الولاء بجمعتي * ختماً بطعم هناً سقتك بتولتي
هي فاطم الزهراء روحك بنتها * يا أمَّ طاهر دمعةٌ بشريتي «2»
نبعاً ليالي جمعةٍ كانت على * مرِّ السنين، نشيدها يا خيمتي
فالمغربيُّ غدير حوشٍ سوحهُ * في صبخةٍ كنت الوفاء لعترةِ «3»
نامي بقيعٌ زينبٌ فيه ندًى «4» * خَبَزَ الزكي مضيفه يا روعتي
***
قولي عن الإحياء آخر ليلةٍ «5» * هل كان أحمد عندك يا قدوتي؟
هل كان حيدرهُ خطيباً وقتها * عن فاطمٍ عن نوحها يا جذوتي؟
فرش السخا حسنٌ مضيفاً للمدى * سبط النبي سقاك شهد الخدمةِ؟
قولي حسينٌ ويل قلبي هل أتى * هل جاءكم رأساً بكفِّ الغربةِ؟
وعباءة الحوراء كانت بالعنا * مغبرةً تُكسى رماد الخيمةِ؟
عن ساجدٍ عن باقرٍ عن صادقٍ * أم البنين أتوا إليك بشمعةِ؟
أَسَقَيت أطفال الطفوف دموعك * من كوثر الأحداق نهر وفيةِ؟
***
من جدتي أرخيت نسج مسافعٍ «6» * ها قد أتتك لهفةً يا عجوتي
قولي لها قلباً رعيت جذوره * من شوقه صاغت جواه جمرتي







