المرآة... التوازن بين الطموح الوظيفي والمسؤولية العائلية
المرأة العاملة تواجه تحديات متعددة في حياتها اليومية، حيث تسعى جاهدة لتحقيق التوازن بين تطلعاتها المهنية ومتطلبات حياتها الشخصية والعائلية. غالبًا ما تجد نفسها في مواجهة بين طموحها وسعيها للتقدم في مسيرتها العملية وبين المسؤوليات التي يمليها عليها المجتمع وفق الأدوار التقليدية المتوقعة منها. هذا الصراع المستمر قد يولد ضغوطًا نفسية ويضيف أعباء يومية على عاتقها، لكنه في الوقت ذاته يعكس قوة المرأة وإصرارها على خلق توازن بين جوانب حياتها المختلفة.
لطالما كان خروج المرأة إلى سوق العمل موضوعاً ذا جدل واسع امتد بين مؤيد ومعارض. إلا أن الواقع اليوم يظهر مشاركة النساء بشكل كبير في ميادين عمل متنوعة، حيث اقتحمن العديد من القطاعات وأصبحن يساهمن بأدوار جديدة بعدما كانت مشاركتهن محدودًا في السابق ومقتصرة إلى حد كبير على إدارة شؤون المنزل والأسرة. هذه التحولات الجوهرية في دور المرأة أثمرت نتائج متباينة شملت إنجازات إيجابية وتحديات صعبة، مما يجعل تقييم تأثيرها النهائي أمرًا معقدًا وغير واضح بشكل قاطع.
فمن الناحية الإيجابية نجد أن المرأة باتت تلعب دوراً لا يمكن تجاهله في بناء مجتمعها وتنمية وطنها والنهوض به، بالإضافة إلى تحقيق ذاتها وطموحاتها وتتويج جهود السنوات التي قضتها في الدراسة والاجتهاد والتعب، إلى جانب مساندتها لأسرتها مادّياً.
أما سلبيات ذلك، فلا يمكن الاستهانة بها، فالحمل الثقيل الذي بات يُلقى على كاهل المرأة العاملة ولا سيما الأم لا يمكن غضّ الطرف عنه، خاصةً في ظلّ مجتمع ذكوري لازال لا يؤمن بتقاسم الأدوار بين المرأة والرجل.
فتجد المرأة العاملة بالإضافة إلى المهام المتعدّدة التي تضطلع بها في بيئة عملها تجدها ملزمة بالقيام بواجبات ومهام لا تعدّ ولا تحصى ولا حتى ترحم قدراتها الجسدية والنفسية. فيُطلب منها أن تقوم بكافة الأدوار على أكمل وجه خارج المنزل وداخله إلا من رحم ربي قلّة قليلة من النساء العاملات اللواتي يجدن السند والدعم النفسي والمادي من شريك الحياة أو من أفراد الأسرة، فتتفاقم المتاعب وتجد المرأة العاملة نفسها قد وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على تحمّل الكمّ الهائل من الأعباء، فيحصل الاحتراق الوظيفي، وتجد هذه المرأة العاملة نفسها قد غاصت في بحر من المتاعب المختلفة والمشاكل الاسرية والصحيّة والأمراض التي بدأت تتسلّل إلى عروقها وتسلبها أجمل لحظات العمر.
أضف إلى ذلك أن التطوّر التكنولوجي ووجود وسائل التواصل الاجتماعي قد لعب دوراً فاعلاً في تغيير ثقافة العمل المهني ورفع سقف التوقّعات من الموظفة، مما أثر سلباً على المرأة العاملة خاصةً أنّه أصبح في الكثير من الأحيان من الصعب عليها الفصل بين وقت العمل والوقت الشخصي.
في الحقيقة، لا يمكن تجاهل أن الغالبية العظمى من النساء تدفعهن الظروف المادية القاسية إلى المشاركة في تحمل أعباء الحياة مع الزوج أو الأسرة. ففي وقتنا الحالي، توسعت دائرة الحياة الاستهلاكية بشكل ملحوظ، لدرجة أن العديد من الأسر باتت تعتبر الكماليات أموراً أساسية لا غنى عنها. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الذي يدفع الأغلبية الساحقة من النساء العاملات للعمل هو الحاجة الاقتصادية للمجتمع والأسرة، وأنّ نسبة النساء اللواتي يخرجن للعمل لأسباب غير اقتصادية هي نسبة ضئيلة جداً.
ألي الام ربة المنزل:
عزيزتي ربّة المنزل، إليك بعض النصائح المهمة التي يجب أن تكون ضمن معرفتك اليومية لتحسين حياتك المنزلية وجعلها أكثر تنظيمًا وسهولة.
لا تهتمي بذلك الإعلام المضلل المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يحتويه من نظريات وأوهام تسعى لإحباط ربة المنزل.
ثقي تمامًا أن قيمتكِ الحقيقية لا تتحدد بكونكِ امرأة عاملة أو غير عاملة. فرغم أن المجتمع غالبًا لا يعترف بعمل المرأة داخل المنزل كجزء من الأعمال الإنتاجية، إلا أن هذا العمل يحمل في طياته جهدًا عظيمًا لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته. لذا، لا تسمحي لآراء الآخرين أن تصيبكِ بالإحباط أو تجعلكِ تشعرين بأن قيمتكِ أقل. أنتِ امرأة رائعة وأم عظيمة بكل المقاييس.
أمّا أنتِ الام العاملة:
فلا تعتقدي أن خروجك للعمل يمنعكِ من تربية أبناء صالحين في بيئة صحيّة سليمة وفي جوّ عائلي يتّصف بالدفء. فكم من أمّ عاملة ربّت أبناءها نِعمَ التربية ومنحتهم وقتاً نوعيّاً ساهم في تنشئتهم تنشئة سليمة، فما يحدّد ذلك هو مدى نضج ووعي الأم وتفاهمها مع الأب وتحمّلها للمسؤولية وتحديدها الحكيم للأولويات، وليس كونها أمّ عاملة أو غير عاملة.
لذلك يا عزيزتي، إن كنتِ تملكين القدرة على الاختيار، فاختاري ما يمنحكِ السلام الداخلي. فهذا السلام سينعكس تلقائياً على صحتكِ الجسدية والنفسية في المقام الأول، ثم على أفراد أسرتك. اختاري السعادة، فهي ليست مرتبطة بعملكِ أو عدمه، بل تكمن في رضاكِ عن قراراتك. وحتى إن لم تسمح الظروف بالاختيار، يكمن السر في الرضا بحالتكِ الحالية، والشكر لما أنتِ عليه الآن، مع التوكل على الله والثقة بأن المستقبل يحمل الأفضل بلا شك.
في ختام المقالة:
أيتها المرأة العزيزة، أود أن أقدم لك هذه الكلمات كدروس مستفادة استخلصتها من تأملي وملاحظاتي لبعض النماذج من البيئة التي أعيش فيها.
تخلي عن فكرة السعي للكمال في كل جانب من جوانب حياتك. لا تحاولي أن تكوني الأم المثالية، الزوجة النموذجية، ربة المنزل القدوة، الموظفة المتفانية، المديرة البارعة، والقائدة الملهمة في وقت واحد. رغم أن التوازن بين هذه الأدوار ممكن، إلا أن السعي للكمال في كل منها سيؤدي إلى استنزاف صحتك وطاقتك.
لا تسيري خلف بعض الأفكار المغلوطة لبعض التيارات النسوية التي تدّعي أن قيمة المرأة تتحدد فقط بعملها خارج المنزل. لا تعير هذا النوع من الكلام اهتمامًا. فقيمتك الحقيقية لا ترتبط فقط بوجودكِ في سوق العمل، أنتِ عظيمة بغض النظر عن خيارك، سواء اخترتِ العمل أم لا. دوركِ كأم وربّة منزل، ومربّية أجيال، يُعدّ من أعظم الأدوار في المجتمع.
كيف لا يكون كذلك. فكما قال نابليون قول نابليون: «"إن المرأة التي تهزُّ سرير طفلها بيمينها، تهزُّ العالم بيسارها» وكذلك المفكرون والفلاسفة والشعراء كلاماً كثيراً حول دور المرأة الحيوي والمركزي في مسيرة الحياة والحضارة الإنسانية، ليس لأنها أم تربي وتنشئ الأجيال فقط، وعلى قاعدة الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق كما قال الشاعر حافظ إبراهيم وتحمل العالم بأسره في قلبها وتأثيرها يتغلغل عبر الأجيال.
كوني على ثقة أنكِ قادرة دوماً على العطاء والإبداع والإنتاج سواء خارج البيت أو داخله. فآمني بنفسكِ وبقدراتكِ واتركي بصمتكِ أينما كنتِ.
لا تحرمي نفسكِ وأسرتكِ من لحظات هدوء تصنعينها وسط زحمة المسؤوليات والأعباء اليومية. امنحي نفسكِ استراحة مستحقة، فالعناية الذاتية حق يجب أن تحافظي عليه. وهبك الله قدرات مميزة، فلا تضيعي طاقتكِ في أمور لا تستحق. نظّمي أولوياتكِ، وكوني حازمة عند الحاجة، وتجرئي على قول ”لا“ عندما يكون ذلك ضرورياً.
اجعلي وقتكِ مع أطفالكِ ذا قيمة وجودة عالية، يعوّضهم عن فترات غيابكِ أثناء العمل. امنحيهم اهتمامكِ الكامل بقدر الإمكان، واملئي قلوبهم بالحب والدفء. استثمري تلك اللحظات الثمينة في صنع ذكريات لا تُنسى تجمعكم وتُثري علاقتكم.
كوني سنداً ودعماً لذاتك قبل كل شيء. ابدأي بإنارة طريقك الخاص، ولا تهملي الحكمة التي تقول إنكِ لن تتمكني من إنارة العالم من حولك ما لم تشعلي نورك الداخلي أولاً. أنوار الآخرين قد تفقد قيمتها إن كنت تفتقرين للنور في داخلك. لا تنشغلي بأضواء الآخرين عن مواجهة عتمتك الداخلية، بل كوني النور الذي ينير الطريق، وستجدين أن كل ما حولك يتوهج بضيائك المميز.








