آن آلاوان لوقف هذا النزيف

ما أحوجنا اليوم إلى وقفة صادقة وجادة أمام حوادث السير التي تحوّلت إلى مآسي، تحصد الأرواح على الطرقات العامة داخل المدن وخارجها، بل وحتى في البلدات والقرى التي يُفترض أن تكون أقل ضجيجًا وأكثر أمانًا، لقد باتت الطرق مسرحاً للحزن، حيث لا يمر وقت قصير، دون أن نفجع بدهس مشاة أو إصابات بالغة تنتهي بالموت في لحظات خاطفة.

من بين هذه الحوادث القريبة، حادثٌ مأساوي أدمى القلوب وألمَ النفوس جميعًا، سيدةٌ من بلدة البحاري بمحافظة القطيف، فقدت حياتها أثناء عبورها الطريق، مصابٌ قد آلمنا جميعاً، رحم الله الفقيدة رحمة الأبرار، وساعد الله قلوب فاقديها على تحمّل هذا الفقد الجلل، فالحياة من دون أم موجعة، فالأم كالأب بل وأشد، وجودهما سند وقوة، وموتهما خسارة كبرى لا تُعوَّض،

إن موت الأم في مثل هذه الظروف كسرٌ لا يُجبر، تختنق العبارات عند ذكراها، وتذرف الأعين دموعًا تسبق الكلمات، ويبكي القلب دمًا، يعتصره الوجع والحسرة على فراقها، فراق محياها، وغياب وجودها الذي كان حضنًا دافئًا للأسرة وملاذًا للأمان، مكانة الأم عظيمة، وموتها أمر عظيم، فكيف إذا كان سبب موتها حادثًا أليمًا على الطريق، عندها تكون - بإذن الله تعالى - في عداد الشهداء، وكيف لا والجنة تحت أقدامها.

ولا تقف مآسي حوادث السير عند هذه الفاجعة وحدها، فالمشاة وهم الضحايا الأضعف، وراكبو الدراجات الهوائية هم الفئة الأخرى، لا يقل خطر ما يواجهونه من حوادث مماثلة.

إن آثار هذه الحوادث تتجاوز الأرقام والإحصاءات، فهي جراح إنسانية عميقة، تخلّف أسرًا مكلومة، وأطفالًا يتامى، وأحلامًا تذفن مع أصحابها، إنها خسارة عظيمة للوطن وللمجتمع كله، ونزيف سيستمر ولن يتوقف ما لم يتحمل الجميع مسؤولياتهم.

ومهما بلغ الحزن والألم مع عظم الفقد، فإن الإنسان المؤمن يفوّض أمره لله الخالق عز وجل، ومن البر والإحسان الصبر والاحتساب، ومن حق من فقدناهم علينا، بعد وفاتهم الدعاء لهم، والاستغفار، والصدقة عنهم، إيمانًا بقضاء الله وقدره، واحتسابًا للأجر والثواب. قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10].

ختاماً، نحتاج إلى إلتفاتة سريعة ومخلصة، حتى لا نقف ونودّع مزيداً من الأحبة بصمت؟ إن الطريق ليس مجرد ساحة أو ممرً نعبره، بل أمانة في أعناقنا جميعًا، والسلامة في الطرقات مسؤولية، وحق أساسي للجميع، لتحفظ الأرواح، وهي واجب أخلاقي وإنساني ووطني لا يقبل التهاون، ولنحوّل طرقنا من ساحات مفجعة إلى دروب أمان، احترامًا للإنسان، وحفاظًا على حياته.

فني طائرات - جوية - متقاعد - كاتب رأي - بعضآ «شيئآ» من الخواطر والشعر