القراءة وضبط إيقاع الحياة
في خضم الأحداث المتتالية والخطوب المتلاحقة، سواء على الصعد الشخصية أو العامة، قد يصاب البعض بدرجة من الإحباط والقنوط، أو التوتر على أقل تقدير. وقد تتطور هذه الأمور متراكمة لتصل إلى حدوث درجة من الاضطراب من نوعٍ ما في نفسيته أو سلوكه اليومي. وخير ما يمكن أن يلجأ إليه المرء هنا هو الدعاء والتوجه إلى الله تعالى حتى يعينه للخروج من هذه الأزمة. لكن هناك أيضًا دور للقراءة في ذلك يعيد التوازن إلى حياتنا ويمكّننا من ضبط إيقاع حياتنا.
فسرعة تتالي الأحداث أو المشكلات من حولنا ونشرها وتداولها، إما فضائيًّا أو رقميًّا، مع تهويل بعضها بدافع اجتذاب المتابعين، يجعل من العسير علينا أن نخرج من هذه الدوامة، بل قد تؤثر حتى على سير حياتنا اليومية، سالبة منا الهدوء والسكينة التي ينعم بها الجهال أو المبتعدون عن تفاصيل ما يجري حولهم. والسؤال المطروح هو: هل هو أمر طبيعي أن يتابع الإنسان كل الأحداث وتفاصيل كل حدث؟
يميل كثيرون إلى الإجابة عن ذلك بالنفي؛ لأن الإنسان لا يبدو أنه قد خلق لكي يعرف كل ما يحدث في كل مكان في العالم مع معرفة خلفيات وتبعات وتفاصيل كل ذلك.
وهنا يأتي دور القراءة لكي تخرجنا من هذه الدوامة التي لا تكاد تنتهي في ملاحقة شيء ما، في حالة أقرب ما تكون إلى ما يسمى عجلة الهامستر؛ حين يدور الفأر في عجلة دوارة لا تتوقف. إذ تكسر القراءة هذه الدوامة مخرجة القارئ منها باتجاه آفاق أكثر إشراقًا، محولة مساره إلى أمور أكثر إنتاجية، ومشتتة لتفكيره الذي قد يبقى حبيسًا لاضطرابات ليس له دور فيها ولا لديه القدرة على التأثير فيها.
تستطيع بعض الكتب بالفعل أن تساعدنا على ضبط إيقاع حياتنا عبر فهم ذواتنا ومن حولنا، وفهم أوسع وأشمل لمشكلاتنا، وهو ما يعني قطع شوط أطول في حلها. فهناك بعض الكتب التي تقدم خطوات عملية لإدارة مشاكلنا بمختلف أنواعها، معتمدة على دراسات مستفيضة جرت وتجري باستمرار في مراكز دراسات خاصة.
وحين تنثال على المجتمع المشكلات وتتراكم عليه الهموم فإن قراءة متأنية في التاريخ وعلم الاجتماع وتجارب المجتمعات تهونها علينا؛ حين نفهم جذر المشكلات والمنهج الأسلم لحلها، وأن أي مشكلة مهما كبرت فإنها سوف تنتهي، وهي بالتأكيد ليست نهاية العالم، وأن لها طرقًا للحل كما حدث مئات بل آلاف المرات في التاريخ. وهي أيضًا تجعلك تنظر للعالم بنظرة أكثر شمولية وقد تكسبك مرونة أكبر في التعامل مع التحديات.
وحتى إن استنفدت جميع خيارات الحلول فليس الإحباط هو السبيل الباقي لمواجهتها؛ حيث يكفي أن تحيط نفسك بسور عال من التحصينات الذاتية التي يمكن أن تكتسبها من القراءة، أو الحصول على ما يسمى بالهروب الصحي؛ بقراءة بعض أنواع الأدب، ومنها الروايات الهروبية أو الأدب المهدئ؛ الذي يعني كتبًا أو روايات خفيفة تكون نهاياتها إما سعيدة أو مبهجة أو ملهمة تبعدك عن ضغوط الحياة وتعيد شحن طاقاتك الداخلية.
وهنا يجب أن نؤكد أن القراءة وحدها لا يمكنها أن تنتشلك مما أنت فيه، أو أن تؤمن لك مخارج آمنة من ضغوط الحياة وضبط إيقاعها، ما لم تستخدمها لذلك وتقرر بإرادتك أن تستثمرها لمصلحتك، حيث يوجد من القراء من قد يتأثر سلبًا بالقراءة حين ينتقي منها ما يعزز سوداويته ورؤيته المتشائمة. هي أداة يمكنك أن تستفيد منها إن شئت.. أو لا تستفيد.