شجن المسافات وطهارة الارواح

تراتيل الغسق الفاخر

في غيابةِ المدى.. حيث تتداخلُ أطيافُ الحنينِ بوقارِ الكبرياء.. وتنهمرُ العواطفُ كشلالٍ من عسجدٍ مصفى.. تقفُ الروحُ في محرابِ الكلمةِ الأنيقة.. تتلمسُ من ألقِ السطورِ دفئًا يُرممُ انكساراتِ العابرين. ليس البيانُ هنا مجردَ حبرٍ يُراق.. بل هو نبضٌ صيغَ من تبرِ المشاعر.. وعطرٌ عُتّق في خبايا النفوس الصادقة التي أضناها الشوقُ ولم ينل منها الهوان. هنا.. نمشي على أطرافِ الحروفِ مبهورين بنورِ النقاء.. ومأخوذين بسحرِ العاطفةِ التي تجيدُ الصمتَ كمَا تجيدُ الاحتراق.. لنرسمَ لوحةً أدبيةً تنطقُ بلسانِ النبل.. وتفيضُ برومانسيةٍ مخملية.. طاهرةٍ كدموعِ الندى.. ساميةٍ كالسماء.

أولاً: في كَنَفِ المُسْتَحِيل.. حِكَايَةُ الحُبِّ المَخْفِيّ

لم يكن ينبغي لي أن أقترب منك.. كنتُ أعلم بيقينِ العاقلِ المأخوذِ بالذهول.. أن الطريق إليك مليءٌ بالمستحيل.. وأن التفكير بك مغامرة لا تُغتفر في قانونِ الواقع.

كنتُ أعلم أن المسافة بيننا ليست خطواتٍ تُقطع بالترحال.. بل هي حدودٌ شاهقة لا نستطيع تجاوزها.. وقدَرٌ صارم يقف كحارسٍ مدججٍ بالغياب بين قلبين.

ومع ذلك.. اقتربتُ وأحببتك..!!

لم أختر ذلك بملء إرادتي.. بل هو قلبي الذي تمرّد عليّ ونفض عنه عباءة الطاعة دون إذنٍ مني. وكأن شعورًا غامضًا.. علويًّا ومهيبًا.. هبط عليّ فجأة من سماوات الدهشة.. فأسكنك في داخلي بلا مقدمات ولا تمهيد.

حبّك لم يطرق الباب مستأذنًا.. بل اقتحم روحي اقتحام السيل للوادي.. واستوطن بداخلي.. وأعلن نفسه حقيقةً أزلية لا يمكن إنكارها ولا المرور بها مرور العابرين.

لقد تلاشت أمام مدّك كل مقاوماتي.. وتهاوت قلاع حذري الدفاعية كأوراق الخريف.. فسقطت كل محاولاتي للنجاة.. وصرتَ لي إدمانًا يسري في أورِدة العمر ويغلف الوعي والأحلام.. فلا مفرّ من خضوع الروح لها.

هناك.. عند عتبات ذلك الاجتياح العذب.. صرتَ لي إدمانًا لا أبتغي منه شفاءً.. أراك في كل شيء يقع عليه بصري.. وأسمع نبضك في كل سكون يحتويني.. في الضياء الشارد.. في عتمة الليل.. وفي تفاصيل المدى.. رغم أني أتعمد وأحاول جاهدًا ألّا أراك كي لا تنفضح تراتيل لهفتي..!!

وكأن لقاءنا الأرواحي ذاك قد حدث في عالمٍ هلامي لا يشبه هذا العالم البائس.. عالم لا تحكمه قوانين البشر.. ولا سلطة فيه لمنطقٍ أو عقل. لكن الواقع كان أقسى.. وله رأيٌ آخر مخضبٌ بالوجع.. فأجبرنا على الانكفاء.. ودفعني لأن أخفيك في صدري.. وأواريك بين عيوني وبروحي.. وفي مكانٍ سحيق أعمق مما تظن وأظن. تعلمتُ أن أتقن فنّ الصمت النبيل.. وأن أبدع في تمثيل نسيانك أمام الملأ.. وإذا ما رمتني المصادفة برؤيتك.. أضحك على روحي الواجفة وأقول مواربةً.. ”يخلق من الشبه أربعين“.. رغم أني في عمق طويتي لا أرى في هذا الكون سواك.. وبكل ما أُوتيتُ من النسيان.. أتذكّرك.

ثانيًا: فَلْسَفَةُ النَّزَاهَةِ وَسَجِيَّةُ الضَّمِير

وفي معترك الحياة.. حيث تتشابه الوجوه وتختلف السرائر.. ينحاز الفؤاد تلقائيًا إلى أصحاب المروءة الشامخة. أحبّ كل إنسانٍ صاحب خُلُقٍ رصين.. تمنعه أنفته وفطرته السوية من أن يفجُر في خصام.. أو يتلاعب بالكلمات ليزيّف الوقائع ويكسب موقفًا زائفًا على حساب الحقيقة. أحبّ ذلك الذي جعل بينه وبين الكذب حاجزًا من ضميرٍ حيّ.. فلا يدفعه الخوف من فوتِ مغنمٍ لأن يقول ما لم يفعل.. ولا تغويه الضغينة الكامنة لأن يحرّف الحقيقة الناصعة أو ينتقص من أقدار الآخرين.

إنني أرى الصدق شرفًا لا يُباع.. والكلمة أمانةً تُحمل على الأعناق.. والاختلاف خُلُقًا راقيًا وحوارًا مثمرًا لا معركةً كاسرة. ما أجمل من يدرك أن كرامة الإنسان لا تُقاس أبدًا بقدرته على البطش والانتصار.. بل بقدرته الفائقة على النزاهة والعدل وحفظ الودّ حين يكون قادرًا على غير ذلك..!!

فالمروءة ليست شعارًا يُرفع في رخاء الأيام.. بل هي طوق نجاة يعصم النفس عند المقدرة.. ويمنعها من أن تبغي أو تجور حين تملك أسباب الظفر.

ومن هنا.. فقد كان لزامًا على النفس الأبية أن تنأى بجانبها عن الصغائر.. لذلك أنفر نفورًا تامًا من الذين يلوون الكلمات بعناية خبيثة لتناسب أهواءهم.. لا لتقول الحق. وأبتعد.. بكامل وعيي.. عن كل ما لا ينسجم مع خُلقي.. أو يتنافى مع مبادئي الراسخة.. أو يهتز فيه صدقي.. أو يقلل من مروءتي. أبتعد عن كل صخبٍ يبعدني عن حقيقتي الذاتية.. أو يجعل حياتي صراعًا مريرًا مع نفسي وقيمي.. أو يفرض عليّ قسرًا ما لا أرتضيه لنفسي.

كم أحبّ سجيتي ونقائي عندما أفهم الأمور كأنها مرآة مصقولة أنظر إليها.. فتُعكس لي طبائع الآخرين الجلية.. وتتكشف ألوان أرواحهم.. فأعرفهم من لحن قولهم ونبرات صوتهم.. حتى ولو برعوا في تزوير حديثهم وتجميل أقنعتهم.

فأعوذ بالله.. ملاذنا ومستندنا.. أن نُسلم أمرنا أو قلوبنا لمن لا يفرقون بين الحق والباطل.. ولا يقدرون للضمير النقي أو للكرامة الإنسانية وزنًا.. فيحكمون على مصائرنا بعينٍ عمياء طمسها الهوى. وأعوذ بك ياربّ من ذوي الوجهين.. الذين تخفي وجوههم الباسمة قناعًا يخدع ويمكر.. ومن كل عابرٍ يترك أثرًا سلبيًا كئيبًا في حياتنا.. فيشوّه صفاء القلب الذي كابدنا لحفظه.. ويهزّ السلام الداخلي الذي نبتغيه.

ونجأر إليك.. إلهي.. بنبض الخضوع.. أن نأنس بك.. فلا أُنس حقيقي في هذا الوجود إلا بك.. ولا سكينة تملأ الجوانح إلا معك.. ولا طمأنينة ترسو بها سفننا إلا عندما نؤوب ونعود إليك.

وما أصدق قول العارف ابن عطاء الله السكندري حين قال مستشرفًا عمق الحقيقة الربانية: متى أوحشك من خلقه.. فاعلم أنه يريد ان يفتح لك باب الإنس به. فما كان انقطاع حبال الوصل بالبشر إلا لتتصل الأوردة بخالقها. وما تبددت اوهام الملذات الأرضية إلا لتستقر الروح في محراب الطمأنينة الأزلية. حيث لا فقد يكسر القلب ولا غياب يطفي المنارات.

ثالثًا: مَنَارَاتٌ بَشَرِيَّة.. النَّقَاءُ الذِي لا يَمُوت

ورغم قتامة العواصف.. لا يزال في هذه الحياة أُناسٌ أنقياء.. بررة.. لا يعرفون التخفّي في ظلمات الزيف.. ولا يجيدون ارتداء الأقنعة البهرجة. قلوبهم ما زالت.. برغم توالي السنين.. تحتفظ ببراءة الطفولة الغضّة.. وعفوية الينابيع الأولى.. هؤلاء لا تُفسدهم الأيام العجاف.. ولا تُلوّث أرواحهم السامية قسوة الأحداث وجفاف الضمائر من حولهم.

تراهم دائمًا يمدون أيديهم البيضاء لينتشلوا الغارقين في بحار الحزن بكلمةٍ طيبة شافية.. واحتواءٍ دافئ يرمم الوجع.. يحوّلون وجودهم العذب إلى طوق نجاةٍ حقيقي لكل مُتعبٍ أسهَدته المقادير. وتبقى أرواحهم.. رغم كل شيء.. نقيّة كالنور الأبجدي.. تمرّ بتفاصيل الحياة وعقباتها كأنها شعاع ضياء أصيل.. لا تملك أعتى العواصف ولا أحلك الظلمات أن تُطفئه.

وختاما.. هكذا ترسو سفينة البوح عند شواطئ الوداع.. تاركةً خلفها مدادًا من ذهب.. وأثرًا لا يمحوه كرّ الغداة ولا مرّ العشيّ. تنطوي السطور وتبتلع المسافات صدى الآهات.. لكن القِيَم الشامخة والحب العذري النبيل يظلان أرجوزةً تشدو بها الأرواح الحرة. نودع هذا البوح الفاخر.. ونغلق دفتي هذا البيان.. والقلب يفيض طمأنينةً وأملًا.. والأرجاء تهتز وتفوح بمسك الوفاء الشذي.. وتضمخ الأثير بعنبر الصدق الخالص.. وتتزين بريحان النقاء الذي لا يذبل وباقات الورد الزكية التي تنشر شذاها عبر المدى.

حفظكم الله ورعاكم.. وسدد على طريق الخير والجمال خطاكم.. ووفقكم في كل نيةٍ وعمل إِلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.. وَأَنَارَ بَصَائِرَكُمْ بِنُورِ اليَقِين.. وَجَعَلَ النَّقَاءَ لَكُمْ دَلِيلًا.. وَالسَّكِينَةَ لِقُلُوبِكُمْ بَدِيلًا.

دُمْتُمْ كَمَا أَنْتُمْ مَنَارَاتِ صِدْقٍ فِي زَمَنِ الزَّيْف.. وَأَرْوَاحًا طَاهِرَةً تَزِيدُ الحَيَاةَ بَهَاءً وَرِفْعَة. عِيشُوا بِالنَّقَاءِ وَلِلنَّقَاء.. فَإِنَّ الأَثَرَ الطَّيِّبَ هُوَ الخُلُودُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي لَا يَفْنَى.

وَإِلَى أَنْ نَلْتَقِي.. سَلَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ النَّابِضَةِ بِالْوَفَاءِ وَالْمُرُوءَةِ.. وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ تَحُفُّ مَسِيرَتَكُمْ مَدَى الدَّهْرِ.

رئيس مجلس إدارة نادي الإبتسام بأم الحمام