خرابيش مريض69… قطرة العمى3

هذه الحكاية… لم تبدأ بالعمى، ولا بقطرة أخطأت طريقها إلى العين، ولا بزوجة ابن أرادت أن تسعد أم زوجها، فحملت لها الوجع دون أن تدري، ولا بعجوز أطفأ الظلام نورها فجأة…

مع أن كل ذلك حدث فعلاً.

بل بدأت يوم تغيّر قلب بيت كامل.

بدأ اليوم الأول لأمي في بيتنا مع شمس خافتة تدخل من النوافذ، تتلألأ على الأرضية، لكنها لم تكن تعني للأم شيئاً… فهي لا ترى.

استيقظت قبل الجميع، جلست على طرف السرير، تمدّ يدها لتلمس الغطاء، تتحسّس المكان.

ثم جاء أحفادها، ليلى وحسن وعبدالله، ينادونها بصوتٍ منخفض، كي لا يزعجوها، لكنهم ممتلئون بالحركة والفضول.

ساعدوها على تناول وجبة الإفطار، كانوا حول الطاولة، يمدّون لها يدهم، يحضرون لها كوب الشاي، ويخبرونها بتفاصيل يومهم.

ضحكاتهم، فضولهم، وأسئلتهم الصغيرة عن كل شيء، كانت تعيد الحياة إلى قلبها رغم الظلام الدائم الذي يكتنف عينيها.

ثم جاء وقت الدواء، زوجتي تجلس بجانبها، تضع القطرة على جفن لم يعد يرى، والأم تشعر بالراحة والاطمئنان لأن يدًا حنونة تسهر عليها، والأحفاد حولها يراقبونها بفضول الأطفال، يشاركون، يضحكون، ويعلمون أن التغيير في بيتهم قد بدأ.

مع نهاية اليوم، جلست الأم لحظة بمفردها، تتلمس الغرفة، وتستنشق أصوات أحفادها، وتحدث نفسها:

لم يكن العمى نهاية… بل بداية حياة جديدة لم اخترها، لكنني أسأل الله أن يجعل فيها الخير.

في المساء…جلسوا حول الأم، أحفادها الثلاثة، يضحكون، يهمسون، ويخبرونها بكل تفاصيل يومهم، وهي تلمس وجوههم وأيديهم، وتشعر بكل كلمة قبل أن يسمعها قلبها.

ابتسمت بصوتٍ خافت:

ليتني كنت أرى… لكن الآن، قلبي يرى أكثر من أي وقت مضى.

أمسكتُ بأيديهم جميعًا، وضغطتُ عليها برقة:

أنتم نوري، حياتي، وأنتم عيوني الآن.

وفي الصمت الذي تلا الضحك، شعرت أنّ العمى لم يأخذ منها شيئًا، بل أعطاها فرصة لترى الحياة من خلال قلوب أحفادها.

وهكذا، في هذا البيت الجديد، وسط ضحكاتهم، وحكاياتهم، ولمساتهم،

علمت أن الحب الحقيقي… يكفي لرؤية كل شيء، حتى من دون عيون.

وفي تلك الليلة لم تنم أمي باكراً كما اعتادت كما لم نبقى نحن مستيقظين إلى قريب أذان الفجر كما اعتدنا.

قبل النوم جاء ألأحفاد، تجمعوا حول سرير جدتهم، يضحكون، يتراقصون، يتشاجرون، لكن كل ضحكة كانت تُضيء مكانًا مظلمًا بداخل قلب أم علي.

مدّت حفيدتي ليلى يدها الصغيرة إلى يدي، فلمستها، وضغطت على أصابعي كأنها تقول:

أنا هنا… معكِ.

أحسست بدفء آخر… لم تمنحه الواحة، ولا الجدران، ولا الأشجار،

دفء يملأ القلب، ويخفّف العمى.

سألوا بخفة:

جدتي… دائماً نسمع أن الجدات يحكين لأحفادهن قصصاً قبل النوم

فهلا تحكي لنا واحدة.

قصدكم… ”حزاوي“؟

ضحكنا جميعاً وقلنا نعم،

مع أنهم حقيقة لا يعلمون معنى كلمة

”حزاوي“.

ابتسمت رغم أن أحدًا لم ير الابتسامة، ثم قالت بصوتٍ يحمل الحب:

نعم… سأحكي لكم واحدة، جميلة.

لكن أعلموني أي ”حزايّة“ تريدون؟

هل أحكين عليكم الليلة حزاية

”حمارة القايلة“

أم تريدون حزاية ”أم السعف والليف“ أم نبدأ الليلة بحزاية ”جذع يطير“

ثم الليلة القادمة حزاية ”دم الغزلان“

أم تحبون حزاية ”القطو الأسود“

أم تردن أن تكون بداية حزاوينا بحزاية

”الشاطر حسن ودمج الحبال“.

وما أن سمع حسن اسمه حتى صرخ

نعم…نعم… نريد حكاية الشاطر حسن

قصدك حزايّة؟

جلسوا حولها، حسن على السرير، وعبدالله الصغير متمدد على فخذ جدته وليلى الكبرى على الأرض.

قبل أن تبدأ جدتهم أم علي ”الحزاية“

تحدثوا، وضحكوا، وأحيانًا صمتوا، لكن كل صمت كان يهمس:

نحن معكِ، لا تخافي.

لم تصل جدتهم حزايتها إلى منتصفها حتى نام الجميع…كلٌ في مكانه.

جاءت الأم لتأخذ الاولاد إلى غرفتهم. استيقظنا جميعاً لكنهم رفضوا الذهاب إلى مراقدهم وكلهم بلسان واحد:

نريد أن ننام مع جدتنا…عندها حزاوي واجد نريد أن نسمعها.

ما إن سمعت أم علي ذلك حتى احتضنحتهم واحداً بعد الآخر وقالت لأمّهم دعيهم فهم الآن نور عيني بل حياتي كلها.

في صباح اليوم التالي نقل الأب أسرة أولاده الثلاثة إلى غرفة جدتهم

ووضع سرير الجدة في وسط الأسرة.

الأولاد الذين كانوا يُتعبون أمهم حتى يناموا مبكراً أصبحوا بعد العشاء مباشرة يذهبون إلى أسرتهم وهم في كلّ الاشتياق لسماع حكاية…. قصدي حزاية ما قبل النوم.

الأم أم حسن لم تصدق كيف كانوا وكيف أصبحوا.

الأولاد تغيروا… وأبوهم تغيّر… وحتى أني تغيّرت وأحسست بسعادة لم أتوقعها من قبل…هكذا حدثت الأم نفسها.

كبار السن…الجدات والأجداد… بركة

لا يعرف دفئها الحقيقي إلا من عاش بقربهم ومعهم.

والجدة أم علي أيضاً بدأت تشعر بشيء تغير في داخلها.

فهذه اول سنة تمرّ عليها بعد وفاة أبي علي، لا تشعر فيها بذلك الفراغ القاسي الذي كان يلتهم قلبها كل ليلة.

لذلك كانت تقول أحياناً… وهي تحتضن أحفادها قبل النوم:

“لو كنت أعلم أنني سأعيش كل هذا الحب… لتمنّيت العمى منذ سنوات”

همسة مريض:

نظنّ أحيانًا أن البلاء جاء ليأخذ منّا شيئًا نحبه، لكننا لا نعلم أنه قد يكون الطريق الوحيد ليقودنا إلى حبٍّ آخر لم نكن لنصل إليه بدونه.

كاتب قصص قصيرة