أمي وطن لا يُعوَّض

«أمّاه» ما أجمل هذا اللحن الذي كان يردده لساني كلما ناديت أمي، وما أجمل اللحن الذي كنت أسمعه حين كانت تجيبني بصوتها الحنون: «هلّه يا أمي»، أو تلك الكلمة التي كانت تخرج منها محمّلة بكل الحنان والمودة والخوف عليّ.

اليوم، وبعد رحيلك يا أمي، فقدتُ صوتك وحنانك وخوفك عليّ، وأشعر وكأنني فقدتُ شيئًا من روحي، بل أشعر أحيانًا وكأنني فقدتُ الدنيا وما فيها برحيلك عنا.

أمّاه، كم كنتِ لي شمعةً أستضيء بها في طريقي، وكم كنتِ صبرًا أستمد منه العون والقوة في مواجهة صعوبات الحياة وآلامها. كنتِ البلسم الذي يطبب جراحاتي، واليد التي تمسح أحزاني، والقلب الذي أشعر معه أنني مهما أثقلتني الحياة فلستُ وحدي.

كنتِ الوطن الذي أعود إليه كلما أتعبتني الحياة، والأمان الذي ألوذ به كلما ضاقت بي الدنيا، والحضن الذي لا يسألني لماذا تألمت، بل يفتح لي أبوابه دون سؤال.

أمّاه، كم هو فراقك صعب، وكم هو الرحيل موجع!

لقد أتعب فراقك جسدي وروحي، وأصبح للحياة بعدك طعم آخر لا يشبه ما كان. أحاول أن أمارس حياتي كما كنت أفعل، ولكن شيئًا في داخلي تغيّر منذ أن غادرتِ هذه الدنيا.

أحيانًا أتمنى لو أنك تعودين ولو للحظات، أريد أن أحتضنك، وأقبّل رأسك ويديك وقدميك، كما كنت أفعل صباحًا ومساءً. أريد فقط أن أسمع صوتك من جديد، وأن أعيش لحظة واحدة من تلك اللحظات التي كنت أظن أنها ستبقى معي إلى الأبد.

لكنني أعود إلى الحقيقة التي لا مفر منها، فأجد أنني لا أملك إلا الدعاء والذكرى.

أتذكر كلماتك التي كنتِ تخرجينها بصوت منخفض، وبحنان لا مثيل له:

هل تأكل جيدًا؟

هل أنت بخير؟

زوجتك وأولادك بخير؟

لا تفكر كثيرًا يا ولدي، الحياة غدًا يفرجها الله.

كنتِ دائمًا متوكلة على الله، مؤمنة بأن الفرج بيده، وأنه سبحانه لا يترك عبده إذا ضاقت به السبل.

كنتِ تقولين ما معناه إن الله هو المدبّر والقادر على كل شيء، وإن لكل همّ فرجًا، ولكل كرب مخرجًا، فكنتِ بذلك تمنحيننا الطمأنينة حتى في أصعب الأوقات.

أمّاه، كان الجلوس معكِ جنةً لا تُملّ، وحديثكِ راحةً لا تنتهي، ووجودكِ بيننا نعمةً لم نكن نعرف حجمها إلا بعدما فقدناها.

واليوم، أذهب إلى قبركِ، وأقف أمامه طويلًا، وأنادي:

«أمّاه… أمّاه…»

لكنني لا أسمع ذلك الصوت الذي اعتدت أن أسمعه منكِ، ولا تأتي تلك الإجابة التي كان وقعها على قلبي أعذب من كل الألحان:

«هلّه يا أمي…»

يا الله.. كم كان لإيقاع هذه الكلمة وقعٌ عظيم في قلبي وروحي عندما كنت أسمعها منكِ!

واليوم، لم يبقَ لي منها إلا صداها في ذاكرتي.

أقف أمام قبركِ وأتذكر وجهكِ، وابتسامتكِ، ودعواتكِ، وخوفكِ علينا، وحرصكِ على أن يكون كل واحد منا بخير. أتذكر كيف كنتِ تفرحين لفرحنا، وتتألمين لألمنا، وكيف كان همّكِ الأول أن نكون بخير، حتى وإن كنتِ أنتِ المتعبة.

لقد كنتِ يا أمي أكثر من أم…

كنتِ أمًّا وأبًا، وبيتًا ووطنًا، وأمانًا وسندًا، وحبًا لا يعرف الشروط.

ولهذا أقول اليوم، وأنا أحمل وجع فقدكِ في قلبي:

أمي وطنٌ لا يُعوَّض.

فالأوطان قد تتسع لنا، وقد تمنحنا المكان، لكن وطن الأم يمنحنا الروح. وقد نغادر بيوتًا ونعود إليها، ونفارق أماكن ونستبدلها، لكننا لا نستطيع أن نستبدل وطنًا اسمه الأم.

رحلتِ يا أمي، لكنكِ لم ترحلي من قلبي.

رحلتِ عن أعيننا، لكن ذكراكِ بقيت تسكن تفاصيل أيامنا.

رحلتِ عن البيت، لكن صوتكِ ما زال حاضرًا في أرجائه.

رحلتِ عن الدنيا، لكن دعواتكِ ما زالت ترافقنا في كل خطوة.

وسأظل أفتقدكِ في كل صباح، وفي كل مساء، وفي كل مناسبة، وفي كل لحظة أحتاج فيها إلى كلمة منكِ أو نظرة أو دعاء.

وسأظل أبحث عنكِ في تفاصيل الحياة؛ في رائحة البيت، وفي الأماكن التي جمعتنا، وفي الذكريات التي لا تموت.

أمّاه… لا أملك أمام هذا الفقد الكبير إلا أن أرفع يدي إلى السماء وأقول:

اللهم ارحم أمي رحمةً واسعة، واغفر لها، وأنر قبرها، وآنس وحشتها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واحشرها مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، وارفع درجتها في المهديين، واجزها عنّا وعن كل ما قدمته لنا خير الجزاء.

اللهم إن أمي أفنت عمرها في رعايتنا، وأعطتنا من عمرها وصحتها ومالها وقلبها ما لا نستطيع أن نوفيها حقه، فاجعل كل تعبٍ تعبتْه من أجلنا نورًا في قبرها، وكل دمعةٍ ذرفتها علينا رحمةً لها، وكل دعاءٍ دعت به لنا رفعةً في درجاتها.

اللهم اجمعنا بها في مستقر رحمتك، في جوار محمد وآل محمد، حيث لا فراق ولا وجع ولا حزن.

أمّاه… سأحاول أن أعيش ما بقي من عمري بالصبر الذي علمتِني إياه، وبالإيمان الذي كنتِ تغرسينه في قلبي، وسأظل أذكر اسمكِ بالخير، وأدعو لكِ ما بقي في صدري نفس، وما بقي في لساني دعاء.

وإن كان الموت قد أخذ جسدكِ من بيننا، فلن يستطيع أن يأخذكِ من قلوبنا.

ستبقين أمي…

وستبقين وطني الأول…

وستبقين الوطن الذي لا يُعوَّض.

رحمكِ الله يا أمي، وأسكنكِ الفردوس الأعلى، وجمعنا بكِ تحت راية محمد وآل محمد، ولا حرمنا بركة دعائكِ وذكراكِ.

رحمكِ الله يا أمي… فقد كان رحيلكِ رحيلَ وطنٍ بأكمله.

كاتب رأي، وموظف في القطاع المصرفي.