الإمام الحسين مصلحا (1)

 

 

إلى أي درجة يدرك الخطيب الذي يصعد على منبر الإمام الحسين عليه السلام والسامعون الذي يحضرون المآتم التي لا تقل عن عشرة مجالس في عشرة أيام أنهم يستمع لسيرة مصلح عظيم وكبير. أعيد الكلام (مصلح من نسل الأنبياء) قال عن نهضته

"إنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي"

أعيد الكلام مرة ثالثة لي ولكم. الإمام الحسين عليه السلام يقول بأن (الخروج) الذي قام به، ولاحظوا ما في الخروج من معان منها تحمل المشاق والغربة وتوابع كل ذلك، بهدف ليس ذاتياً. الحسين قتل حب الذات منذ منشئه. إنه إمام معصوم يعيش الله بكل كيانه، وتاريخه الطويل شاهدٌ على ذلك. ففي كل يوم هناك علم يرتفع منه ومن أخيه الإمام الحسن عليه السلام يثبت للناس أنهما خلاصة الأرومة المحمدية والعلوية والفاطمية. اجمع على ذلك كل المسلمون.

إذا أين يقع هدف الإمام الحسين؟ هو ذلك الذي حدده بقوله " لطلب الاصلاح". اللام الداخلة على كلمة (طلب) تصلح أن تكون سببية وغائية معا، أي خرجت بسبب هو الاصلاح ولأجل شيء هو الإصلاح.

هذا الكلام من الإمام الحسين ليس بسيطاً. لأن من يتكلم عن الإصلاح الحقيقي لابد أن يكون صالحا في ذاته أولاً. هذه مشكلة نعرفها فهناك من يتكلم عن الخير والحق والعدل ولكنه في نفسه لا يعرف الخير ولا يتبع الحق ولا يقيم العدل. أما الحسين عليه السلام فأمره مختلف عن مثل هؤلاء، إنه من أرومة اخار الله عز وجل لهم مكانة مميزة فقال 
" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا".

وهو واحد من الخمسة الذين مشى النبي محمد صلى الله عليه وآله بهم ليباهل نصارى نجران
" فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ".

وقد خلد الله لهم فضيلةً لم يسبقهم فيها أحدٌ من العالمين في سورة الإنسان ووصفهم بالأبرار حين تصدقوا بطعامهم لثلاثِ أيامٍ متواليةٍ و باتوا جِياعاً

" إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا"

إني حقا تدهشني هذه الآية التي تتكلم عن خُلقٍ لا يقدر عليه أغلب الناس. من ذا الذي يتحمل الجوع لثلاثة أيام من أجل غيره. الجوع يغير النفوس والأخلاق والقيم. ولكن هؤلاء كانوا يزدادون إيمانا بدلالة قولهم كما جاء في التخليد
"إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا"  وقولهم " إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا
فكان جواب الله عز وجل  لهم
" فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)".
ألا يحق لنا أن نفتخر بهؤلاء الطاهرين الصالحين الأولياء الذين لا يعيشون حب الذات أبداً. تصوروا عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وهم في حالة جوع ولا يخضعون لضغوط الجسد وميول النفس وشهوات البطن. قارنوا بين حالنا وحالهم كي نعرف الفرق لماذا نحن نعشق هؤلاء ونقدسهم ونقتدي بهم.

هذه أخلاق المصلح الكبير ومقامه عند الله عز وجل. مهمة الإصلاح هي وظيفة الأنبياء وأبناء الأنبياء، قام بها من قبل إبراهيم الخليل وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله.

والقرآن يصف هؤلاء الأنبياء وغيرهم بالصالحين

" وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ" ، " فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ".
هذين مجرد مثالين فقط.
وهذا الوصف بالصاحلين ليس فقط للمدح بل للكلام عن حقيقة تخص كل كيانهم وأقوالهم وسيرتهم. أي أنهم صالحون لنموذج الإنسان الكامل القدوة. وكما قلنا لا يكون المصلح مصلحا قبل أن يكون صالحاً.

نعيد السؤال في ذكرى الإمام الحسين عليه السلام. هل نأتي لشهر المحرم، ولمجالس آل البيت ونحن نستشعر فكرة الإصلاح التي نادى بها الإمام الحسين (عليه السلام).

يحتاج جوابنا إلى دقة.

فأن يتكلم الخطيب عن الحسين المصلح فهذا يعني أنه يحدثنا عن الحسين لو كان بيننا ماذا سيقول وماذا سيأمر وماذا سيفعل. إنه محاولة تمثل الحسين المصلح الذي استشهد من أجل هذا الاصلاح. نحن نقول بأن الحسين والإسلام صنوان لوجه واحد. قُرِنا مع بعض منذ أن قال النبي محمد صلى الله عليه وآله مقولته الخالدة "حسين مني وأنا من حسين" حتى قيل " الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء".

كان كلاما للمستقبل. يعني كي تفهمونني افهموا ماذا يفعل ابني الحسين فإنه يفعل فعلي تماما. وافهموا ماذا يعني قول الحسين "طلب الاصلاح في أمة جدي". إنه يقوم بدور كنت أقوم به. أنا أنشأت لكم أمة واحدة بقيم واحدة وأهداف واحدة. وكان هناك من لا يريدها هكذا أما الحسين فأرادها كما أردتُ لكم لذا بذل نفسه في سبيلكم أنتم كما بذلتها أنا وكما فعلوها حينما اطعموا الطعام وباتوا جياعا لثلاث. فما حدث من قبل هو نفسه ما يقوم به ابني الحسين. إنه البذل الدائم الذي نقوم به كي تعيشوا حياة أفضل وتستلذوا بنعم الله وتتخلصوا من المقهورات عليكم.

نعيد سؤالنا لأنه المهم في مقالنا هذا وهو المفرع لبقية الأسئلة. هل نحن نعي وظيفة الحسين المصلح. هل نشعر بالتوحد معها. هل نفكر بها كخطة عمل. هل لها تأثير في حياتنا. هل نستشعر بها دائما. هل نتحملها أيضا.

هذه أسئلة مطروحة أمام الخطيب والجمهور لفهم جوهر حقيقة النهضة الحسينية ولنتدبر فيها في محرمنا هذا حيث نلبس لُبوس الحزن على شهيد الإسلام المصلح الذي قُتِل كي نحيا، وتغرب كي لا نرى البؤس مرة أخرى، وتحمل الآلام كي تبقى عِزَّةُ النفوس شامخة. إنها قِيَمٌ المصلح التي يريدنا أن نعرفها من خلال أفعاله وأقواله ومواقفه.

ولنا وقفة أخرى مفصلة آتية في معالم النهضة الإصلاحية عند الإمام الحسين.

فسلام على الحسين يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.
   

بكالوريوس علم نفس
مقدمات
ماجستير فلسفة
صدر لي مجموعة مؤلفات
أحب كتابة القصة القصيرة والرسائل والأدب والشعر
تعجبني الفلسفة والعقلانيات