أبو طالب كما يصفه المعصومين (عليهم السلام)

• أبو طالب وظلم التاريخ!

في تاريخنا الإسلامي الكثير من الشخصيات الإسلامية التي لم تنصف ولم تأخذ حقها في طيات صفحاته، وظلمت تاريخياً ونسب إليها ظلماً ما لا تستحقه، إرضاءً لسياسة الحاكمين تارةً، وإمعاناً في العداوة أخرى، وحسداً وبغضاً تارة أخرى، وفي مقدمة هذه الشخصيات العظيمة المظلومة والتي لا تزال تظلم يومياً حتى في حاضرنا سيدنا ومولانا ابو طالب صلوات الله وسلامه عليه، لا لذنب منه أغترفه، سوى إنه كان أحد أركان الدعوة ودعامة من دعائم الدين، ذنبه العظيم كفالة اليتيم! وجريرته العظمى حماية الدين! وسيئته التي لا تغتفر إنه والد أمير المؤمنين!!؟ ظُلم سلام الله عليه حتى أصبح إيمانه محل نقاش! وإثبات إسلامه يحتاج إلى جدال!.

ابو طالب وكغيره من عظماء الإسلام تعرض لهجوم ومحاولات تشويه من المنافقين، وأتباع الهوى من السلاطين ووعاظهم أملاً منهم للحط من قيمته ومكانته في قلوب المسلمين، وللأسف فإن هذه المحاولات وجدت من يصغي لها ويتلقاها بالقبول جهلاً أو عدواناً، حتى أصبحت قضية عدم إيمانه _و العياذ بالله_ تدرج في المناهج الدراسية وكأنها أصل لابد من الاعتقاد به، ويتربى النشء على الإيمان به.

و لهذه الشخصية العظيمة حق وفضل علينا، لذلك أردنا في هذه السطور المختصرة أن نتعرض لشيء يسير من معرفة مقامات هذا العظيم، ولم نجد من يعرفنا عليه أفضل من أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم، فهم المنبع الصافي والمورد النقي لكل معرفة وحقيقة، وقد ورد عنهم الكثير من الروايات والأحاديث في مقامات وفضل سيدنا أبو طالب ومنزلته العظمى عند الله عز وجل، كما لم يغفل اهل البيت عن رد الدعاوى الباطلة والأكاذيب المختلقة المنسوبه لأبو طالب ، ونورد هنا أن شاء الله تعالى مجموعة من هذه النصوص.

• الرسول الأعظم والوفاء لأبي طالب.

لقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يكن لأبي طالب أعلى درجات الحب والود والتقدير وفاءً له لكفالته وتربيته ورعايته، وكان دائم الذكر له والثناء عليه والاستغفار له، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حق أبي طالب: «و صلتك رحم يا عم وجزيت خيراً، فلقد ربيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً، أما والله لأستغفرن لك، ولأشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان». وكان دائم الذكر والاستغفار له، فقد ورد أنه أستغفر له يوم بدر وحين دعائه بنزول المطر في المدينة وقال صلى الله عليه وآله وسلم حين نزول المطر: «لله در أبي طالب لو كان حياً لقرت عينه، من ينشدنا قوله؟» فقام علي فقال: «يا رسول الله لعلك أردت: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل» فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أجل».

كما أن الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» « وأشار بسبابته والوسطى منضمتين مرفوعتين» إنما عنى به أبا طالب ، كما يذكر ذلك أبن ابي الحديد في شرح النهج ووافقه على ذلك الاستاذ في الأزهر الدكتور علوي امين خليل، يقول سلطان الواعظين الشيرازي في كتابه ليالي بيشاور معلقاً على هذا الحديث بقوله: «قصد بحديثه الشريف جده عبد المطلب وعمه أبا طالب، اللذين قاما بأمره وتكفلاه وربياه صغيراً، حتى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف في مكة بيتيم أبي طالب بعد وفاة جده عبد المطلب، فقد تكفل أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان في الثامنة من العمر وكان يفضله على أولاده ويقيه بهم».

كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى المنزلة العظيمة لأبي طالب عند الله عز وجل، ومن ذلك قوله: «نزل علي جبرائيل فقال إن الله يقرئك السلام ويقول: «إني حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وجحر كفلك »»، وروى أمير المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «قال لي جبرائيل: إن الله مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب، وصلب أنزلك عبد الله بن عبد المطلب، وحجر كفلك أبي طالب، وبيت آواك عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهلية «قيل يا رسول الله وما كان فعله؟ قال: سخياً يطعم الطعام ويجود بالنوال»، وثدي أرضعتك حليمة السعدية».

و أكد صلى الله عليه وآله وسلم على إيمان وإسلام أبي طالب بما روي عن الإمام الصادق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الكفر، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرتين».

ولقد نعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمه أبا طالب وسمح على جبينه وهو يقول: «رحمك الله يا عم، ربيت صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، جزاك الله عني وعن الإسلام خير جزاء العاملين المجاهدين في سبيله بأموالهم، وأنفسهم وكل ما يملكون».

• أبو طالب وأمير المؤمنين.

ورد عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام مجموعة من النصوص الواردة في ابي طالب ، الدالة على إيمانه ومقاماته الربانية العالية، وقد روى الإمام الحسن المجتبى حديث جامع شامل عن أمير المؤمنين هذا نصه: قام رجل إلى أمير المؤمنين الإمام علي فقال له: يا أمير المؤمنين إنك بالمكان الذي أنزلك الله وأبوك معذب في النار؟ فقال أمير المؤمنين : «فض الله فاك، والذي بعث محمداً بالحق نبياً لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله، أأبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار؟ والذي بعث محمداً بالحق إن أبا طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلا خمسة أنوار، نور محمد ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ونور ولده من الأئمة، ألا إن نوره خلقه الله من قبل خلق آدم بألفي عام، والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط»، قيل له فما كانوا يعبدون؟

فقال : «كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم متمسكين به، وإن أبي حين حضره الموت شهده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرني عنه بشيء خير لي من الدنيا وما فيها، وما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا، كان والله أبو طالب مؤمناً مسلماً يكتم أيمانه مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش». ولو لم يرد في شأن ابي طالب سوى هذا الحديث لكان كافياً في الدلالة على قوة إيمانه وعلو مكانته.

وكان أمير المؤمنين يحج عن ابي طالب ويأمر ان يحج عنه، كما عن الإمام الباقر قال: «ألم تعلموا أن أمير المؤمنين علياً كان يأمر أن يُحج عن عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي طالب في حياته، ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم». وكان كثير الرواية لشعر ابي طالب ويحث على تعلمه وتعليمه، قال الإمام الصادق : «كان أمير المؤمنين يعجبه أن يُروى شعر أبي طالب، وقال: تعلموه وعلموه أولادكم فإنه كان على دين الله وفيه علم كثير».

وقيل لأمير المؤمنين من كان آخر الأوصياء قبل النبي وسلم؟ فقال: «أبي، أبو طالب».

و بعد كل هذه الاحاديث الصريحة الواضحة في إسلام وإيمان ابو طالب، بل أعلى مراتب الإيمان، ومقاماته الربانية الرفيعة، من مقام الوصاية والشفاعة، هل يشك أحد في إيمانه؟ إلا مكابر معاند وجاهل جاحد.

• أبو طالب ودفاع المعصومين.

أكد أئمة أهل البيت على إيمان أبي طالب ، وردوا كل الأكاذيب حول ذلك، ولقد نقل علماء الفريقين سنة وشيعة إجماع أهل البيت على ذلك، فمن السنة يذكر أستاذ الأزهر الدكتور علوي أمين: «أما أئمة أهل البيت فلم يؤثر عنهم إلا الهتاف بإيمانه الثابت وأن ما كان يؤثره في نصرة النبي كان منبعثاً عن تدين بما صدع به النبي، وأهل البيت أدرى بما فيه، وأبصر الناس بحال أبيهم، وأنهم لم ينوهوا إلا بمحض الحقيقة».

أما إجماع أهل البيت عند علماء الشيعة فأمر لا خلاف عليه، وننقل هنا ما كتبه الشيرازي في كتابه ليالي بيشاور: «و أهل البيت الذين جعلهم النبي أعلام الهداية وعدل القرآن الحكيم... ذهبوا إلى أن أبا طالب أسلم في حياته واعتنق الدين الحنيف ومات مؤمناً». وننقل هنا مجموعة من كلماتهم في حق أبي طالب:

- سُئل الإمام زين العابدين عن أبي طالب أن قوماً يزعمون أنه كافر؟ فقال : «واعجباً كل العجب يطعنون على أبي طالب أو على رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وقد نهاه الله تعالى أن يقر مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن، ولا يشك أحد أن فاطمة بنت أسد من المؤمنات السابقات، فإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب».

- وعن الإمام الباقر ، قال له أبو بصير: سيدي إن الناس يقولون إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلى منه دماغه، فقال : «كذبوا والله، إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة الميزان وإيمان هذه الخلائق في كفة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم».

- عن الإمام الصادق قال: يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب؟ فقال يونس: جعلت فداك يقولون في ضحضاح من نار يغلي منها أم رأسه، فقال : «كذب أعداء الله، إن أبا طالب من رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً».

- عن الإمام الرضا «إن نقش خاتم أبي طالب كان: «رضيت بالله رباً وبابن أخي محمد نبياً وبابني علي له وصياً »» وقال لأحد أصحابه: «فإنك إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك النار».

- روى الإمام الحسن العسكري عن آبائه إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني أيدتك بشيعتين: شيعة تنصرك سراً وشيعة تنصرك علانية، فأما التي تنصرك سراً فسيدهم وأفضلهم عمك أبو طالب، وأما التي تنصرك علانية فسيدهم وأفضلهم ابنه علي ابن ابي طالب». وقال : «و إن أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه».

هذا نموذج من الوارد عن أهل بيت النبوة والعصمة في حق سيدنا أبو طالب وفيها الكفاية ان شاء الله.

• نهاية المطاف مع الأعلام.

و على نهج أهل بيت النبوة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم سار علمائنا الأعلام في الدفاع والذب عن سيدنا أبو طالب ، خصوصاً علماء التفسير وذلك لرد ما نسب كذباً من آيات في كفره، وكذا سار العلماء المنصفون من الفرق الإسلامية الأخرى، نذكر هنا بعضاً من كلماتهم في هذا الصدد وبها الختام.

- قال أمين الأمة العلامة الطبرسي في تفسيره مجمع البيان: «وقد ثبت إجماع أهل البيت على إيمان أبي طالب، وإجماعهم حجة، وأقواله وأشعاره المنبئة عن إسلامه كثيرة مشهورة لا تحصى، ووصايه وخطبه... ».

- العلامة الشيرازي في تفسيره الأمثل: «هذا الموضوع يبدوا عجيباً لمن كان من أهل البحث والمطالعة، فكيف يصر جماعة من رواة الاخبار على أن يزعموا أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مشركاً وغير مؤمن وأنه مات كافراً!! وهو بإجماع المسلمين كان من الذين بذلوا تضحيات منقطعة النضير، وحمى نبي الإسلام وضحى من أجله ».

- يذكر محمود العلي في كتابه الإمام علي جدل الحقيقة والمسلمين: «عند ظهور الإسلام كتم أبو طالب إسلامه عن قومه... حتى يهيئ الحماية والسلامة لابن أخيه محمد بن عبد الله حيث كان له الحصن المنيع » ويقول في موضع آخر: « وللحقيقة أقول لقد ظلم أبو طالب ظلماً فاحشاً عندما طعنه بعض الرواة والمحدثين في إسلامه».

- ذكر الدكتور سعيد السامرائي في كتابه حجج النهج: «كان ابو طالب سباقاً إلى الإيمان والإسلام وما الآخرون إلا تبع، بل كانوا يتخفون من بطش قريش وظلمها في الوقت الذي كانت قريش تخشى مواجهة محمد لوجود أبي طالب ».

و بعد كل ما تقدم لا يمكن القبول بما يروج ويشاع في الأوساط الإسلامية بكفر ابو طالب وعدم إيمانه، مضافاً إلى ما تقدم الكثير من الشواهد والدلائل، من نصرته للدعوة النبوية وحمايتها وبذل الغالي والنفيس في سبيل استمرارها، وكذلك أشعاره ووصاياه وخطبه، «السلام عليك أيها الذاب عن الدين والباذل نفسه في نصرة سيد المرسلين، السلام عليك وعلى ولدك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته».

1- أبو طالب هل مات مسلماً ؟ , الأستاذ الدكتور علوي أمين خليل .
2- آداب الحرمين , السيد جواد الحسيني الشاهرودي .
3- الإمام علي جدل الحقيقة و المسلمين , محمود محمد العلي .
4- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل , الجزء الثاني عشر , العلامة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي .
5- ديوان أبي طالب بن عبد المطلب , بتحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين .
6- سيد البطحاء أبو طالب , السيد عبدالرحيم الموسوي , المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام .
7- ليالي بيشاور مناظرات و حوار , سلطان الواعظين السيد محمد الموسوي الشيرازي .
8- مجمع البيان في تفسير القرآن , المجلد الرابع , أمين الأمة الفضل بن الحسن الطبرسي .
9- هذا هو أبو طالب , محمد يوسف مرتضى العاملي .
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
سلام القطـيـــــــف
[ القطيــــف المسالمة ]: 10 / 7 / 2014م - 5:19 م
وفقت ابني على هذا الاسهام وعلى التوضيحات المهمة بخصوص هذه الشخصية الفذة والمظلومة -في نفس الآن-. وأرجو من الشبكة الموقرة العمل بماتستطيع بخصوص تصحيح الأخطاء الاملائية والنحوية ولا سيما اذا كانت واقعة في العنوان نفسه, فالأصح نحويا أن يقال "المعصومون" لا "المعصومين" لأنه فاعل وهو جمع مذكر سالم , لذا فهو يرفع بالواو. شكرا لكم ودمتم بتوفيقات الله وعنايته.