أبو جمال الزاير: رحلة عظيمة لا تُنسى وإرث يُقتدى
بعض الرجال لا يرحلون حين يغيبون، بل تبدأ رحلتهم الحقيقية بعد الرحيل. تظل ذكراهم حاضرة، وسيرتهم متداولة، وكأنهم ما زالوا بيننا… وهكذا كان أبو جمال «عبدالله علي صالح الزاير»، الرجل الذي عرفناه أكثر بعد أن فقدناه، وأدركنا عمق تأثيره حين غاب صوته، لكن بقيت أفعاله تتكلم عنه. في يوم الأربعاء، الموافق 2 أبريل 2025م، رحل عن دنيانا في قريته الحبيبة أم الحمام بمحافظة القطيف شرقي السعودية، لكنه باقٍ في قلوب محبّيه، وسيرته باقية تُروى للأجيال، وأثره ما زال حيًّا بيننا، ينبض بالعطاء والوفاء.
وأنا أتصفح سيرته العطرة في منصات التواصل الاجتماعي، وأستمع إلى شهادات الأقارب والمحبين من خلال أسئلتي المتعددة، وجدت أن في ملامح رحلته بعض التشابه مع أولئك العظماء الذين لا تصنعهم الظروف المريحة، بل يتجاوزون الصعوبات بالتحدي، وتصقلهم التجارب، وتضيء طريقهم المعرفة.
لقد آمن أبو جمال بقدراته، وتعلّم رغم قلة الإمكانات، وثابر رغم الصعوبات، وترك أثرًا لا يمحى. إن من يقرأ قصص العظماء، قد يجد نقاطًا مشتركة، أو بعض الربط في مسارات حياتهم مع من يعرفهم من الأشخاص الذين يعيشون بينهم. وليس المقصود هنا أن نساوي أو نقارن مباشرة بين أبي جمال وبين هؤلاء المشاهير، بل الغرض أن نستلهم من سيرهم معاني الإصرار والصبر والعطاء، ونستفيد منها في حياتنا الشخصية والعامة.
- ومن أبرز القصص الملهمة التي نجد في تفاصيلها بعض الإضاءات لسيرة فقيدنا:
طه حسين، الكاتب المصري الكفيف الذي تحدّى الفقر والإعاقة، ودرس في الأزهر ثم في السوربون، حتى أصبح وزيرًا للمعارف وعميدا للأدب العربي الحديث.
أندرو كارنيجي، الذي بدأ حياته كعامل فقير في مصنع قطن، ثم أصبح من رواد صناعة الحديد في أمريكا وأحد أكبر المحسنين في العالم.
أحمد زويل، عالم الكيمياء المصري الذي نشأ في بيئة بسيطة بمدينة دمنهور، وواصل تعليمه حتى حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 لاختراعه ”الفيمتو ثانية“.
إيلون ماسك، الذي عانى من ظروف قاسية بعد هجرته إلى كندا، وفشل في عدة مشاريع، لكنه استمر حتى أصبح من أغنى رجال العالم بقيادته لشركات مثل تسلا وسبيس إكس، وشكات اخرى.
حياة سندي، العالمة السعودية التي تحدّت التقاليد الاجتماعية ودرست في كامبريدج، وأصبحت من أبرز العلماء في مجال التكنولوجيا الحيوية.
قد يرى البعض أن استحضار هذه الأمثلة فيه شيء من المبالغة، لكن الهدف هو توضيح أن التجارب الإنسانية العظيمة تشترك في جوهر واحد: القدرة على تجاوز التحديات وتحويل الصعوبات إلى فرص وإلهام.
وقد ترك أبو جمال من الإنجازات العظيمة والسجايا الملهمة ما يجعلنا بحق نفتخر به، ونستعرض هنا فقط عشر نقاط:
بداية مبكرة وإرادة لا تعرف التردد: أحد أبرز مواقف الفقيد يكشف عن عزيمته المبكرة؛ فعند تقدّمه للعمل في شركة أرامكو عام 1950، كان عمره الحقيقي 12 عامًا فقط، وهو أصغر من سن القبول. ومع ذلك، صرّح بأن عمره أكبر ليُسجَّل رسميًا كمولود في عام 1931 بدلًا من 1938. هذا الموقف يعكس روح الطموح، والثقة بالنفس، والإرادة التي واجه بها الحياة منذ الصغر، دون تردد أو خوف من التحديات.
التميز الدراسي المبكر: أكمل المراحل الدراسية الثلاث في مدارس الظهران خلال سبع سنوات فقط، ثم ابتُعث إلى بيروت عام 1959 لنيل شهادة الثانوية العامة. وبعدها انطلق ليواصل رحلته التعليمية التي لم تكن مجرد شهادة، بل بوابة نحو مشروع حياة.
السمات الشخصية والأخلاقية: رجل هادئ، متزن، متواضع رغم ما وصل إليه من علم ومكانة. لم يكن ينتظر جزاءً ولا شكورًا، بل يعطي بصمت، ويصبر برضا، ويحمل وجهًا بشوشًا حتى في المحن. صدق النيّة، والإخلاص في العمل، والاحترام العميق للناس، كانت من أبرز سماته، إلى جانب قدرته العجيبة على بثّ الأمل وتشجيع من حوله على التعلم والإيجابية.
من قرية صغيرة إلى آفاق العالم: وُلد في قرية أم الحمام، لأسرة فقيرة، وفي بيئة تفتقر إلى فرص التعليم، لكنه شق طريقه بيديه حتى نال درجة الماجستير من الولايات المتحدة، ليعود ويشغل مناصب رفيعة في أرامكو السعودية، في قصة كفاح تلهم كل طموح.
القيادة الاجتماعية والإصلاح: تمتع برؤية تنموية واضحة، تؤمن ببناء الإنسان قبل كل شيء. كان شخصية جامعة، يُلجأ إليها لحل النزاعات، ويثق بها الجميع. آمن بالعمل الجماعي، وأسهم في تأسيس مؤسسات اجتماعية عديدة، وكان يُلقّب بعميد العائلة لما له من دور جامع ومُلهِم.
رائد في تمكين الأجيال: لعب الفقيد دورًا محوريًا في تمكين الشباب وتأهيلهم، من خلال مناصبه القيادية في شركة أرامكو، مثل رئاسة تطوير الكفاءات والإشراف على برامج البعثات والتوظيف. ساهم في توظيف وتأهيل أعداد كبيرة من شباب السبعينات والثمانينات على مستوى الشركة والوطن. كما امتد تأثيره إلى أسرته، حيث تابع باهتمام مسيرة أولاده وبناته نحو التميز العلمي والمهني في مجالات متعددة، عاكسًا ثمار رؤيته وجهده في بناء أجيال ناجحة وفاعلة.
الثقافة والفكر: امتلك مكتبة غنية بالكتب العربية والإنجليزية، وكان قارئًا نهمًا في الأدب والسياسة والفكر. أحب الشعر العربي القديم والحديث، وكان مولعًا بالمتنبي وجرير ونازك الملائكة. ما قرأه، لم يحتكره، بل نقله للآخرين بسخاء قلب، ومحبّة معرفة.
العمل التطوعي كخيار حياة: على مدى 23 عامًا، جعل من التطوع التزامًا أخلاقيًا، لا مجرّد عمل إضافي. رفض العمل الاستشاري في الشركات الكبرى بعد تقاعده، مفضّلًا أن يمنح وقته وجهده لخدمة الناس، فكان حضوره في المجتمع مضاعفًا بعد التقاعد.
القيم التي عاش من أجلها: تميّز الفقيد بمجموعة من القيم الراسخة التي شكّلت أساس شخصيته ومسيرته. كان العطاء الصامت أبرز سماته، يقدم الكثير دون سعي للظهور أو انتظار الشكر. التزم التزامًا عميقًا بالشرع والنظام، واتخذهما مرجعًا ثابتًا في حياته الأسرية والاجتماعية. نشر روح التفاؤل ومحبة الحياة، مرددًا دائمًا:“الشباب هو شباب القلب”، إيمانًا بأن العزيمة لا تعرف عمرًا. وعند مساعدته للآخرين، كان يكتفي بقول:“الله يعين الناس”... كلمات بسيطة، لكنها تختصر فلسفة حياة كاملة.
تواضع القيادة: رغم مكانته ومؤهلاته، لكنه أرتضى أن يبدأ في الجمعية الخيرية كنائب لرئيسها، سماحة الشيخ عبدالحميد المرهون، إيمانًا منه بروح الشراكة، واحتراما لقيمة من سبقه في الخدمة الاجتماعية. لم يكن يسعى لمنصب، بل لنجاح الفكرة، وكان دائمًا يقدّم المصلحة العامة على مجده الشخصي.
إن سرد هذه الإنجازات والسجايا التي ميّزت أبا جمال، يؤكد ما أشرنا إليه سابقًا من وجود بعض التشابه والربط بين رحلته وبين تجارب عدد من العظماء الذين تحدّوا الظروف وصنعوا لأنفسهم مكانة بارزة في تاريخ الإنسانية. فالعظمة لا تُقاس بالأرقام ولا بالشهرة أو المنصب فقط، بل بالقيم والمبادئ والتأثير العميق في حياة الآخرين، وبقيمة الإنجاز مقارنة بحجم التحدي، وبالأثر المتروك لا بالمنصب المشغول.
- ماذا لو كانت وسائل التواصل موجودة في زمنه؟
ربما كنا سنقرأ منشورات مثل:
#تعليم_سريع: أبو جمال يُنهي ثلاث مراحل دراسية في سبع سنوات فقط!
#مبتعث_عائد: أبو جمال يعود من أمريكا ليقود أحد أنجح المسارات المهنية في أرامكو.
#عطاء_لا_ينتهي: تقاعد مبكر لا لراحة الجسد، بل لخدمة المجتمع من جديد.
رحلتك العظيمة... مسؤوليتنا
إن سيرتك يا أبا جمال ليست ملكًا لعائلتك فقط، بل لوطنك، ولمجتمعك، ولجيلٍ كاملٍ يبحث عن معنى في هذا الزمن المتسارع. نحن، من عرفك أو سمع عنك، نحمل مسؤولية أن نروي هذه الرحلة، ونستلهم منها العزم، ونُعيد بثّ روحك في مبادرات جديدة، وحكايات تُروى، ومشاريع تُبنى على ذات المبادئ.
- وداعًا أيها الكبير
رحمك الله أبا جمال، بقدر ما أحببت الناس وأحبّوك، وبقدر ما أعطيت بصمت، وابتسمت في العطاء. نسأل الله أن يُسكنك الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجعل ذكرك شاهدًا لك، ومحبّة الناس لك صدقة جارية لا تنقطع.