أحبوا أنفسكم

 

 

 

لعل البعض يتساءل: وهل هناك من لا يحب نفسه؟ وهو سؤال في حد ذاته مشروع ومفهوم، إذ يجد كل واحد منا هذا الأمر بديهيا لا يحتاج إلى دليل. ولكن مع قليل من التعمق سنكتشف أن كثيرا من الناس لا يحبون أنفسهم من حيث لا يشعرون. وبالتالي فإنهم يقومون بممارسات ضد أنفسهم ربما تتسبب في هلاكها الأبدي ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. إنهم أشبه بالمكتئب الذي يقدم على الانتحار أو المريض الذي يطلب رفع الأجهزة الطبية عنه طلبا لما يسمى خطأ وتخفيفا بالموت الرحيم، يطلبان بذلك راحة نفسيهما كما يظنان، وينسيان في الوقت نفسه ما بعد الموت.

وهكذا يخطئ الكثير التشخيص، فيقعون فيما يحذرون. يتحدث صاحب (تهذيب الأخلاق) العالم الأخلاقي المشهور (مسكويه) المتوفى سنة 421 هـ، عن أحد وزراء عصره ممن لم يحسن تشخيص مصلحة نفسه، فأوقعها في مهاوي الردى. وينقل في كتابه (آداب العرب والفرس والهند) قول الوزير في أحد المجالس: "إن عشتُ فسأحسن إلى نفسي". ثم يعلق مسكويه قائلا: " فتدبرتُ كلامه وفعاله، وإذا هو لا يدري كيف يحسن إلى نفسه، ولا يفرق بين الإحسان إلى بدنه بركوب الشهوات، وبين الإحسان إلى نفسه بمعرفة الحقائق والتقرب إلى الله عز وجل بأنواع القربات".

إن حب النفس يستدعي أولا معرفة النفس ذاتها، وما ينفعها وما يضرها. ولا أدل على أهمية ذلك من قول النبي : من عرف نفسه فقد عرف ربه. فإذا كان شرف العلم بالمعلوم، فأي شرف أعظم من شرف معرفة النفس باعتبارها طريقا لمعرفة الله تعالى.

ومن هنا جاءت التوصيات الكثيرة في النصوص الشريفة بالنفس. يقول تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ . فالنفس في هذه الآية مقدمة على غيرها لأنها الألصق بالإنسان، وهو مسؤول عنها أولا، حيث تكون هي دائرة نفوذه الأولى، وتأتي بقية الدوائر الأخرى بعدها. وكلما كان نفوذه في هذه الدائرة أقوى، استطاع توسيع نفوذه إلى الدوائر التالية كالأهل والمجتمع المحلي والعالمي أيضا. أما إذا فشل في دائرة نفسه، فسيكون الفشل نصيبه في تلك الدوائر، وإن حقق نجاحا وهميا هنا أو هناك.

وهذا ما ينبه عليه الإمام علي في قوله: "كيف يُصلِح غيره من لا يصلح نفسه". وقد أوصى عليه السلام بالاهتمام الشديد بالنفس، مبينا مكانتها العزيزة الكريمة. يقول : عِبَادَ اللَّهِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ، فَشِقْوَةٌ لَازِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ. فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ.

ولكي نعرف محورية النفس في الوصول إلى الحق، علينا أن نتأمل الرواية التالية:
فقد ورد أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ اسْمُهُ مُجَاشِعٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ؟ فَقَالَ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْحَقِّ؟ قَالَ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى رِضَا الْحَقِّ؟ قَالَ سَخَطُ النَّفْسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى وَصْلِ الْحَقِّ؟ قَالَ هَجْرُ النَّفْسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى طَاعَةِ الْحَقِّ؟ قَالَ عِصْيَانُ النَّفْسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى ذِكْرِ الْحَقِّ؟ قَالَ نِسْيَانُ النَّفْسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى قُرْبِ الْحَقِّ؟ قَالَ التَّبَاعُدُ مِنَ النَّفْسِ.

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى أُنْسِ الْحَقِّ؟ قَالَ الْوَحْشَةُ مِنَ النَّفْسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ الِاسْتِعَانَةُ بِالْحَقِ عَلَى النَّفْسِ.

الحديث عن النفس وحبها طويل سنكمله بإذن الله الجمعة القادمة.
دمتم بحب.. جمعة مباركة .. أحبكم جميعا..

شاعر وأديب