حتى يتفلكس شبابنا

 

 

 

الملايين تابعوا اللحظة الفيليكسية على الشاشة الفضية، وحبسوا أنفاسهم بانتظار النتائج التي تسفر عنها الدقائق الأخيرة من المغامرة الرائدة. كان الكثير منا نحن العرب قد أطلق العنان لخياله لإلصاق الصفات الشامتة والنكات اللاذعة على المغامر النمساوي فيليكس بومغارتنر، حيث كانوا ينتظرون لحظة احتراقه أو اختناقه أو اصطدامه بطير، نسر أو غيره أو أن يهوي في مكان سحيق. كان البعض يركز النظر على أم فيليكس شفقة أو حنقا عليها، ويتساءل: كيف سمح لها قلبها بترك فلذة كبدها يفعل ما يفعل؟ كيف جاءت للتفرج على موت ابنها؟

قليلون منا كانوا يركزون على الإنجاز الفيليكسي والقيم التي يحملها والظروف التي هيأت لولادته. ولا أدل على ذلك من التعليقات التي كانت تهطل على جوالاتنا ناعتة فيليكس بالمجنون ومحب الشهرة والذاهب إلى حتفه وقدره المحتوم.

لقد انشغلنا عن فيليكس الحقيقي بفيليكس فصلناه على مقاساتنا. وساهم في ذلك أيضا البث العربي المباشر للحدث، والذي لم يكن بمستوى التعاطي العلمي المطلوب. حيث لم تكن هناك مقابلات وحوارات مع شخصيات علمية مستضافة تتناول الحدث من منظور علمي بحت، لدرجة أن المعلق كان يقرب الصورة للمشاهد بربط وزن البدلة الخاصة التي يرتديها فيليكس والمصممة بدقة وإتقان تحسبا لكل احتمال، والتي تزن 45 كغم، بوزن زميلته المشاركة له في التعليق، والتي لم تمرر ذلك له، واعترضت بأن وزنها أقل من ذلك. يا للسخافة!!!

فيليكس حقق رقما قياسيا جديدا حين صعد إلى ارتفاع قارب 128 ألف قدم باستخدام منطاد من الهيليوم، ثم تمكن من ضبط أعصابه ليفتح المنطاد بكل توازن، وليقفز نحو الأرض بجرأة نادرة وشجاعة متماسكة، ليبلغ سرعة قياسية هي 834 ميلا في الساعة أي ما يوازي 1,24 مرة سرعة الصوت.

لقد استطاع فيليكس تحقيق ثلاثة أرقام قياسية: الأول تجاوز سرعة الصوت ، والثاني تحقيق أعلى ارتفاع يصل إليه بالون مأهول، والثالث تحقيق أعلى نقطة للقفز بمظلة. وباختصار استطاع فيليكس أن يختبر بعض القوانين الفيزيائية والكونية، وأن يؤسس للحظة علمية يختلف ما بعدها عما قبلها.

إن قراءة هذا الحدث ينبغي أن تتجاوز النكات المتهكمة والتفاصيل الساذجة لتصل إلى ما وراء الحدث ذاته. أي كيف وصل فيليكس لتلك اللحظة التاريخية، حيث هناك الكثير من الدروس التي يمكن استقاؤها والاستفادة منها. ومنها:

1-روح المغامرة العلمية التي كانت المحرك لفيليكس. هذا ما يحتاجه شبابنا اليوم ليخرجوا من الصناديق الجاهزة التي تحبسهم عن عالم الإبداع والاكتشاف. فالمسألة لم تكن مجرد مقامرة طائشة، أو فكرة نزِقة، بل هي رغبة عارمة في تحقيق إنجاز جديد مبني على أسس علمية.

2-البيئة العلمية المناسبة التي عملت على تحويل فكرة فيليكس إلى واقع. إذ لو كان فيليكس عربيا لاستسخفوا فكرته متمسكين بقوانين نيوتن التي يحفظونها عن ظهر قلب، ولأصروا على ثباتها أكثر من نيوتن نفسه، وكأنهم هم الذين اكتشفوها. هذه البيئة العلمية المشجعة هي ما نفتقده في مدارسنا وجامعاتنا التي لا تسمح للطالب بالتحليق خارج الأطر التقليدية.

3-الإنجاز الفردي يتحقق من خلال ملحمة جماعية تقف وراءه، وتضم عشرات العقول العلمية في التخصصات المختلفة من فيزياء وكيمياء وفلك وطيران وطب وعلم نفس وغيرها. هذه العقول لم تقاتل لتُلتقط لها الصور، بل كافحت بصمت لاختبار فرضيات العلم. هذا شيء آخر نفتقده.

4-التعلق بالعلم المغامر الذي لا يقبل بالمسلمات دون فحصها، وإن كان وراءها عقل كبير مثل نيوتن. وهو أمر نحن في أمس الحاجة إليه، إذ كثيرا ما يمنعنا الانبهار والكاريزما من التفكير خارج الحدود المتعارفة.

5-الإتقان أسلوب حياة. فكل شيء كان محسوبا بدقة متناهية، ولم تترك الأمور لمحض الصدفة والاحتمالات غير المدروسة. أي إنهم لا يعتمدون في تمشية أمورهم مثلنا بالبركة وضربة الحظ، على عكس ما يريد الله تعالى لنا حين أتقن كل شيء، وأنزله بمقدار معلوم.

6-الثانية لها قيمة أيضا. فقد فشل فيليكس في كسر الرقم الخاص بالبقاء حرا لمدة أربع دقائق، بفارق ثواني معدودة. فأين هذا من نظرتنا للوقت؟

7-العمل الدؤوب يوصل للنتائج المأمولة. فإنجازه الذي لم يستغرق ثلاث ساعات احتاج لتحضير طويل استغرق خمس سنوات ليصل للحظة الانتصار. وهنا يأتي الحديث عن الصبر والمثابرة وامتلاك الرؤية.

8-الأم الداعمة كان لها دور أيضا في تحقيق النجاح، وتحملت في سبيل ذلك الكثير، إذ تكفيها لحظات الترقب المرعبة التي يمكن أن تفقد فيها ابنها في أي لحظة. وفي هذا درس للآباء والأمهات كي يشجعوا أبناءهم على السير في طريق العلم حتى وإن تحملوا كآباء بعض الألم.
هناك الكثير الكثير من الدروس الأخرى الملهمة التي سأترك إضافتها للقارئ.

أخيرا تذكر بعض المصادر أن العالم عباس بن فرناس حين سقط عند محاولته الطيران ونجاحه لمسافة معينة، لم يمت من فوره، بل تأذى ظهره، وقيل أصيب بكسر في ضلعه، ولكنه حوكم بتهمة التغيير في خلق الله وتم عزله في بيته حتى مات.   

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
السيد هاشم الساده
16 / 10 / 2012م - 11:12 ص
جميل جدا استاذ بدر
كل نقطه تطرقت لها هي منهج تعليمي يجب علينا ان نخوض فيه و ان نتعلم من تفاصيله

للاسف مستوى الاستفاده من التجارب و الرغبه للتعلم و العلم في وطننا عباره عن قشره يابسه.

تحيه لك
شاعر وأديب