هل تحتاجون الديمقراطية؟

 

 

 

عندما ينتقد أحد رجال الدين الديمقراطية، فإنه يستخدم أدوات تختلف عما يستخدمه المثقف الليبرالي عند نقده للديمقراطية. الأول سيحاول جهده أن يكشف عن تعارض الديمقراطية مع الدين، أي الديمقراطية كما يفهمها مع الدين كما يفهمه ويفسره. أما الثاني فإنه سيختار مدخلا آخر يؤدي إلى تزهيد الناس في الديمقراطية، ويجعلهم ينظرون إليها نظرة شك وريب، أو كأمر لا تحمد عواقبه.

الدكتور عبد العزيز بن ريس الريس كتب مقالا بعنوان: (الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء) استهله بالعبارة التالية: إن الديمقراطية تعني: "حكم الشعب بالشعب، فما كان عليه الأكثرية من الشعب يحكم به . وهذه محرمة وليست من دين الله في شيء".

ثم يسوق الأدلة على تحريم الديمقراطية، مركزا على المسألة التشريعية وأنها لا يمكن أن تناط بالأكثرية التي ورد ذمها في القرآن الكريم، وأن الديمقراطية تساوي بين العالم العارف والفلاح الجاهل، وأن حرية الدين وحرية التعبير – وهما من مبادئ الديمقراطية – يتصادمان مع الإسلام.

وهذا الخطاب يحتاج إلى مناقشة مستفيضة سنأتي عليها لاحقا بإذن الله. ولكننا نتساءل: أليس للناس ولاية على أنفسهم؟ ألم يخلق الله الناس أحرارا يستطيعون تقرير شؤونهم الدينية والدنيوية بأنفسهم، ويتحملون تبعا لذلك النتائج؟ أم أنه لا خيار لهم أبدا في ذلك؟
هل هناك حرية دينية أعظم مما قاله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً الكهف:29

وقوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة: 256

ثم ما هو البديل عن الديمقراطية التي تعني المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الأمة؟
من السهولة أن نقول: إن الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء، فالنقض أمره هين؛ ولكن المسألة الصعبة هي في إنتاج الحل الواقعي البديل الذي لا يكتفي بالقول: الإسلام هو الحل. إذ إننا في الواقع لا نتحدث عن إسلام واحد، بل عن عدة تفسيرات وتأويلات للإسلام، (وكل يدعي وصلا بليلى)، فلا بد إذن من التفصيل بدل الإجمال.

على الجانب الآخر كتب الصحفي الأستاذ تركي الدخيل مقالا بعنوان: (ديمقراطيات الخراب) نافيا فيه الحاجة إلى الديمقراطية في دول الخليج. يقول في مقاله: يتحمس بعض الناشطين في الخليج بالدعوة إلى الديمقراطية من دون أن يأخذ بالاعتبار الشروط الثقافية التي لابد أن تتوافر عليها، ومن جهةٍ أخرى من دون أن يدرك أن الغايات التي ستأتي بها الديمقراطية موجودة ومتحققة أساساً في الخليج.

ثم لا يبين لنا الأستاذ الدخيل ما هي الشروط الثقافية التي ينبغي توافرها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجعل غاية الديمقراطية التنمية، وهي – أي التنمية – متحققة على أرض الواقع، فلماذا نبحث عن الديمقراطية ونطالب بها؟

ويذهب أخيرا إلى أن "التنمية أولى من الديمقراطية التي تأتي بالمعيقين للتنمية والمدمّرين للحياة وقتلة المستقبل". وكأن الديمقراطية لا تأتي إلا بهؤلاء المعيقين والمدمرين.

الدخيل لا يدخل في تفاصيل الديمقراطية التي يريدنا أن نرفضها، ولا التنمية التي يريدنا أن نتمسك بها، فالمهم في مثل هذه الخطابات التعميم، وجعل الديمقراطية نقيضة للتنمية، وكأن الدول التي أخذت بالديمقراطية تخلفت عن التنمية المنشودة.

كلا الخطابين يخوفاننا من الديمقراطية دون أن يخوضا في التفاصيل الحقيقية للديمقراطية، ودون أن يقدما البديل الأفضل. ولنا معهما نقاش ووقفات  إن شاء الله.

شاعر وأديب