عبدالله «1»

أخيرا التقيت بك، بحثت عنك طويلا.

هكذا بدأت الحديث معه، كان متعجباً.

سألني: لكني لا أعرفك.

قلت له: هذا صحيح، لم يكن بيننا أي لقاء مسبق... ولكن عرفت من أحد الأصدقاء أن لديك تجربة مشوقة في «دبي».

أنا مهتم بكتابة تجارب بعض المرضى المكافحين... الذين قاوموا المرض بروح وتفاؤل رغم الصعوبات... رغم الألآم.

نظر إليّ متعجباً وقال: ياه كان ذلك منذ سنوات... كيف أتذكر تلك التجربة.

قلت له: أنا لست على عجلة من أمري... يمكننا أن نؤجل اللقاء إلى موعد آخر إن كنت مشغولا الآن.

قال: هل تشرب كوباً من القهوة... ونبدأ في وضع بعض الخطوط الأولية.

قلت: هذا من دواعي سروري.

تناولنا القهوة.

ثم قال: لقد سمعت عنك... وقرأت بعض كتاباتك... وأتمنى أن تجد في قصتي شيئاً مفيداً تقدمه للقراء.

قلت: هذا ما أطمح إليه... إنني أؤمن أن لكل إنسان تجربة معينة تستحق الكتابة... إنني أؤمن أن على الكاتب أن يوظف قلمه ليكون قلما ذو رسالة.. قلم يكتب عن القيم والأخلاق والمعارف... وليس قلماً ترفياً كمالياً.

قال: هل ترغب في كتابة تجربتي في دبي أم أنك ترغب في كتابة مقدمة.

أجبته: لك الحرية... وأظن أنه سيكون جميلا ان نكتب مقدمة مشوقة.

ابتسم وقال: إليك ذلك... سأحدثك عن البداية.

بدأت أستمع إليه.

اسجل بعض النقاط..

بدأ حديثه بابتسامة... كما تعلم اسمي عبدالله... وترتيبي السادس بين أخوتي... كانت أمي تحبني... بل جميع من في البيت يحبني.

كنت في المرحلة الابتدائية... في شهر رمضان المبارك.

جاء أخي الأكبر مني كنا نناديه بأبي جعفر.

صار يناديني «عبود» هيا قم لنذهب لبيع الحليب.

نسيت أن أخبرك أن والدي كانت لديه مزرعة صغيرة يربي فيها بعض الأبقار وفي بعض المواسم كانت تنتج كمية مناسبة من الحليب... كمية مناسبة للبيع... كانت والدتي تحضر الحليب «كيلو» في أكياس شفافة... وبعض الأحيان كانت تحضر من الحليب بعض الكيلوات «لبن»... كانت الحياة حلوة... الوالدة تستمتع وهي تحضر الحليب واللبن، والوالد مستمتع بهوايته... وأنا وأخي كنا مجدين في بيع الحليب وأصبح لدينا «زبائن معروفين» ولنا قصص مع بعض وربما أذكرها لك في الحلقات القادمة....

قلت له: ربما ستكون قصتك سلسلة حلقات.

ضحك وقال: أنت الكاتب ويمكنك أن تختصرها أو أن تضيف عليها ما تحب ولكن لا تضيف ماء على الحليب.

ضحكنا.

ثم قال عبدالله: هذا ما قاله بعض الزبائن.

عندما بدأنا بيع الحليب قال الحاج علي: حليبكم مركز وليس كما يفعل البعض يضيف له ماء فيصبح الحليب «ماي مايوه».

ضحكت وقلت: هل لايزال عندكم حليب لقد شوقتني لشرب كوب منه.

ضحك وقال: في بعض الأحيان يكون لدينا... ولكن ليس للبيع... في حال توفره سأخبرك...

سألته أين كنتم تبيعون الحليب؟ هل لديكم بقالة؟!

ضحك وقال: لا ليس لدينا بقالة... كنا نبيعه بالقرب من المسجد.. مسجد الشيخ علي المرهون

قلت: هل أنت تمزح معي... كيف تبيعونه عند المسجد؟!

قال: بكل سهولة نضعه في العربة وعندما يخرج المصلين يشترونه منا... بل كان لدينا خدمة توصيل للمنازل.. بعض المصلين يحجز له كيس أو كيسين ويطلب منا أن نوصلهما لمنزله القريب من المنزل... والبعض كان يحضر لمنزلنا ويشتري...

قلت: مسجد الشيخ علي المرهون... تذكرته... لقد صليت فيه... كان يوم الجمعة وكان المسجد مزدحم... لقد صليت في الدور الثاني..

ضحك عبدالله وقال نعم يوم الجمعة يمتلئ المسجد... كان يحضر الصلاة أعدادا كبيرة من الناس من مختلف مناطق القطيف... بعضهم من الأوجام وبعضهم من أم الحمام.

قلت نعم الصلاة خلف الشيخ علي المرهون تشعر أنها صلاة الخاشعين... صلاة هدوء وسكينة.

ثم قال عبدالله: نعم كانت الصلاة خلف الشيخ علي المرهون تشعرك بالروحانية والطمأنينة... رحمك الله يا شيخ علي... في مثل هذه الأيام كانت وفاته في 27 محرم 1431 هـ... الشيخ علي المرهون لم يكن إمام جماعة فقط بل كان خطيباً حسينياً عندما تستمع إليه تجري دمعتك على خدك... الشيخ علي المرهون كان مرشداً للحجاج، وكان مؤلفاً... بل كان جمعية خيرية تساعد المحتاجين... لذلك كانت وفاته صدمة للمجتمع... لقد حضر جنازته آلاف الناس وكانت مهيبة جداً... ومجالس العزاء كانت تمتلئ بالحضور وألقيت القصائد الشعرية وكتبت حوله المقالات.

قلت: رحمه الله رحمة الأبرار... هكذا هم أولياء الله.

قال عبدالله: لقد أخذنا الحديث عن قصتي... هل أكمل أم أدعه ليوم آخر.

نظرت للساعة وقلت: لقد تأخرت... لدي موعد آخر... كنت أرغب في هذا اللقاء أن أتعرف عليك، ولكن ننسق لموعد آخر لأستمع إليك... ما رأيك أن نلتقي ليلة الجمعة... سأكون متفرغا تماما للاستماع إليك.

قال عبدالله: حسنا لقد وصلنا لبيع الحليب ومنه سننطلق لبقية القصة.

همسة

هناك جزء صغير في ذاكرتنا نحتفظ فيه بكل الذكريات واللحظات الجميلة التي حدثت في فترة الطفولة، وعندما نتذكر نبتسم ثم بعد ذلك نكتشف أنه قد مر سنين كثيرة.

أخصائي التغذية العلاجية